
العلة الغائيّة للحكومة الإسلاميّة (معالم حكومة صاحب الزمان)
محاضرة ألقيت بمناسبة يوم النصف من شعبان سنة 1430 هـ ق
لماذا نحن منتظرون لظهور الإمام؟ وفي أيّ شيء تتجلّى حقيقة ذاك الظهور؟ فهل ظهوره يعني الظهور الظاهريّ؟ أم أنّها تتمثّل في شيء آخر؟ أسئلة طرحها وأجاب عنها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني قدس سره في محاضرته التي ألقاها باللغة الفارسيّة، في الخامس عشر من شعبان عام 1430 هـ، وبيّن فيها الأهداف التي سعى إليها الأنبياء والأئمّة في حركاتهم وستحقّقها حكومة صاحب الزمان عليه السلام، مقارناً ذلك بأهداف سائر الحكومات وأدواتها.
العلة الغائيّة للحكومة الإسلاميّة (معالم حكومة صاحب الزمان)
28مثلاً إذا جلست في حسينيّة فكيف تكون حالتك بالمقارنة مع الجلوس في مكان ترتكب فيه المعاصي؟ ألا يختلف؟ مع أنّ الأحجار والطين واحد في كليهما، لماذا تختلف الحال؟ لأنّ ملكوت هذا المكان يؤثّر عليك، إذا أردت أن تصلّي، فجرّب أن ترتدي ـ كما كان يوصي المرحوم العلاّمة ـ ثوباً أبيض مع عمامة خضراء إذا كنت سيّداً، و عمامة بيضاء أو صفراء لغير السادة (فلا إشكال في ارتداء العمامة الصفراء بل إنّها مستحبّة أيضاً)، ثمّ صلّ بهذه العمامة العباءة و الثوب الأبيض، و بعد ذلك انزع هذه الثياب و البس قميصاً و بنطالاً ثمّ صلّ بها، ثمّ انظر ألا تحسّ بالفرق من حيث حضور القلب؟ فما هو سبب ذلك؟ سببه أنّ هذا اللباس مؤثّر...
لماذا يؤثّر العطر في الإنسان؟ لأنّ العطر يجلب الملائكة، وكلّما شعرت بالانبساط والروحانيّة فاعلم أنّ هناك ملائكة، فالروحانيّة مساويةٌ لوجود الملائكة بل معلولةٌ له، وكلّما وجدت كدورة وظلمة في مكان ما أو حضرت في موكب من المواكب فأحسست بالكدورة، فاعلم أنّ الملائكة قد خرجت من ذلك المكان، تاركة مكانها لموجودات أخرى، و الإنسان يشعر بذلك، كما أنّه إذا جلس مع أخيه على الأرض وتحدّثا فإنّ حالهما وحديثهما يختلف عنه فيما لو جلسا على الكرسيّ والطاولة، و يمكن لكم أن تضعوا مسجّلاً و تسجّلوا الحديث الذي يدور في كلتا الحالتين لتروا الفرق بأنفسكم. فلماذا يحصل ذلك؟ لأنّ العوامل المؤثّرة في ملكوت الأشياء تتغيّر بتغيّر الظواهر أيضاً؛ فالعالم مقسّم بين الملائكة والشياطين.. بين النور والظلمة.. بين الحياة والموت.. بين الانبساط والانقباض، فإذا حضر هذا غاب ذاك، ولا يمكن اجتماعهما معاً.
فما دام الأمر كذلك، فما أجمل أن يجعل الإنسان نفسه في هذا المجال؛ [مجال النور و الحياة و الانبساط]، فيلبس لباس الأنبياء ولباس الملائكة.. ذلك اللباس الذي له قيمته الخاصّة في حدّ نفسه فهو يحول بين الإنسان وبين الكثير من الاشتباهات و الأخطاء. و من هنا فعلى الإنسان أن يتلبّس بهذا اللباس و أن يضمّ له مراقبة الباطن واتّباع سيرة الأولياء الإلهيين (و هذا هو المهمّ).. فذلك اللباس وتعلّم علوم أهل البيت عليهم السلام إذا ترافقا مع تزكية النفس وتربيتها واتّباع العظماء والعرفاء بالله ومتابعة سيرة أولياء الله وسنّتهم، فحينئذٍ سنرى ما أعظم النتيجة التي سيحصل عليها الإنسان! حيث سيصل الأمر إلى درجة يعبّر عنها رسول الله صلّى الله عليه وآله في الرواية بأنّ كلّ موجودات العالم تدعو له حتّى الحيتان في البحر، وليس هذا بمبالغة أو هزل وعبث، فقد شاهد ذلك من كشف لهم الغطاء فرأوا الحيتان في البحر تدعو لطالب العلم، ورأو أنّ الأشجار التي يجلس تحتها من يتذاكر علوم أهل البيت تدعو لهم، لقد رأوا ذلك، وعلى كلّ حال ما أخبرونا به حقّ وما علينا إلا أن نتّبعه.
