
العلة الغائيّة للحكومة الإسلاميّة (معالم حكومة صاحب الزمان)
محاضرة ألقيت بمناسبة يوم النصف من شعبان سنة 1430 هـ ق
لماذا نحن منتظرون لظهور الإمام؟ وفي أيّ شيء تتجلّى حقيقة ذاك الظهور؟ فهل ظهوره يعني الظهور الظاهريّ؟ أم أنّها تتمثّل في شيء آخر؟ أسئلة طرحها وأجاب عنها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني قدس سره في محاضرته التي ألقاها باللغة الفارسيّة، في الخامس عشر من شعبان عام 1430 هـ، وبيّن فيها الأهداف التي سعى إليها الأنبياء والأئمّة في حركاتهم وستحقّقها حكومة صاحب الزمان عليه السلام، مقارناً ذلك بأهداف سائر الحكومات وأدواتها.
العلة الغائيّة للحكومة الإسلاميّة (معالم حكومة صاحب الزمان)
18وسمعت أنّ أحدهم جمع الناس في إحدى المناطق وقال لهم: إنّ هذه الحادثة هي قطعاً تلك الحادثة التي ذُكر بأنّ الظهور سيعقُبها مباشرة. فوقعت تلك القضيّة المزعومة، وما زالت الأعوام تنقضي عليها دون أن يظهر صاحب الزمان! فلماذا يفعلون ذلك؟ وبأي دليل؟ لماذا نفعل فعلاً يجعل الناس تشكّك وتقول: لماذا حصل ذلك؟ ما الذي يجبرك على قول مثل هذه الأمور؟
لماذا لا ندعو الناس إلى الظهور الباطنيّ لصاحب الزمان؟ ولماذا لا ندعوهم إلى تحقيق تلك المباني الأصيلة في وجودهم؟! لماذا نستمرّ بإعطاء الوعود الكاذبة ونحدّد للناس مواعيد غير صحيحة للظهور؟ من أين جاء ذلك وعلى أيّ دليل يستند؟ وما أكثر الذين حاولوا توقيت الظهور دون جدوى، فنحن بأنفسنا رأينا وسمعنا أحدهم يقول: إنّ صاحب الزمان سيظهر في السنة الفلانية، وها قد مرّت اثنتا عشرة سنة.. بل أربع عشرة سنة على الموعد المضروب دون أن يظهر عليه السلام؛ فما الذي حصل؟ الذي حصل أنّ المطلب الذي ذكره كان خاطئاً... لقد سمعته بنفسي يقول: إنّ صاحب الزمان سيظهر بين هذا الوقت وهذا الوقت، فقلت في نفسي: خيرٌ إن شاء الله، سننتظر موعد الظهور هذا ونرى، فرأينا أنّ شيئاً لم يحدث... وفي آخر الأمر أرسلنا له رسالة أن: ماذا حصل؟ لقد اقترب الموعد فما الأمر؟ ولم يجد جواباً إلا أن يقول: لقد حصل "بداء" في المسألة! نعم، فالبداء حجّة جيّدة وحلّ ممتاز لمثل هذه المآزق؛ فكلّما تورّط في أمر قال: حصل البداء، ولكنّ التعلّل بالبداء أمر سهل؛ فأيّ شخص يستطيع أن يدّعي ادّعاءً، ثمّ إذا لم يتحقّق ادعاؤه تعلّل بالبداء.
من يعرف وقت الظهور لا يوقّت، ومن يوقّت لا يعرف
ولكنّنا لم نتعلّم ذلك من زعماء الدين عليهم السلام، وليس هذا ما أمرونا به، فأولياء الله رضوان الله عليهم كانوا قطعاً مطّلعين على زمان ظهور صاحب الزمان، ولكنّهم ما كانوا ليطلعوا أحداً على ذلك ولا ليبيّنوا الأمر لأحد أبداً. وأمّا أولئك الذين يتحدثون ويخبرون عن موعد الظهور فليسوا على أيّ اطلاع، ولكن لو تحرّك الأفراد باتجاه تحقيق أهداف ظهور الإمام، فعندئذٍ تصبح الأرضيّة جاهزة لظهوره، وحينئذٍ يكون المجتمع جاهزاً لتقبّل مباني الإمام وتكاليفه، وفي ذلك الوقت سيتخلّى الناس عن التقليد الأعمى، وسيصبح العقل حاكماً على التقليد المتحجّر، ولن يجد كلّ ناعق آذاناً صاغية تتبعه، ولن يميل الناس مع كلّ ريح ولن يتّبعوا كلّ راية.. في ذلك الزمان لن ينخدع الناس بكلّ شعار يُكتب على اللوحات والجدران، وفي ذلك الزمان لن تفلح الكلمات المعسولة الجذّابة في سلب عقول الناس وألبابهم، وفي ذلك الزمان سيواجه الناس الانحراف بقوّة، وفي ذلك الزمان سيتعامل الناس مع الحوادث والأمور التي تواجههم وسيحاكمونها من خلال الفطرة التي أودعها الله فيهم؛ فالله قد أعطى "الفطرة" للجميع، ومن خلال الفطرة يمكن لنا أن نميّز الحق من الباطل والعدل من الظلم، ويمكن لنا أن نعرف العدوان والجشع، كما يمكن لنا من خلال الفطرة أن نشخّص الصدق ونميّزه عن الكذب...
