
ضرورة الاهتمام بالنفس واليقين في السير إلى اللـه
خطبة عيد الفطر لعام 1434 هـ ق
ما معنى آية عليكم أنفسكم وما هو المفتاح الذي تضعه بأيدي السلاك إلى الله؟ وما هو الاهتمام المطلوب بالنفس وما هو الاهتمام المطلوب بالغير؟ وهل يتنافيان؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات من خلال تفسير قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم. مبيّنة أثر هذا الاهتمام في تحصيل اليقين والاطمئنان والذي هو إحدى الضرورات لقطع الطريق إلى الله، وقد استشهد فيها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني في بيان ذلك بآية: ذلك الكتاب لا ريب فيه وبسِيَر الأولياء العظام الذين تمسّكوا بالكتاب فوصولوا إلى حيث وصلوا.
ضرورة الاهتمام بالنفس واليقين في السير إلى اللـه
8قصة بايزيد البسطامي في بيت الإمام الصادق عليه السلام
لقد عمل بايزيد البسطاميّ لمدّة ستّ سنوات كسقّاء في بيت الإمام الصادق عليه السلام. فقال له الإمام يومًا: ناولني ذلك الكتاب الذي على الرّف. فقال: وأيّ رفٍّ تقصد يا مولاي. فقال له الإمام: أنت هنا منذ ستّ سنوات، ولم ترَ ذلك الرَّف الذي فوق رأسك. فقال بايزيد: منذ أن دخلت هذا البيت، لم يقع نظري على سواك. فقال له الإمام: لقد فزت إذًا. فقد كان يتردّد على هذا البيت لمدّة ستّ سنوات، وهو لم يلاحظ فيما إن كان هنالك رفّ أو ما شابه ذلك. فهذا النوع من الناس هم الذين يفوزون. أمّا ذلك الذي يدخل البيت وقبل أن ينظر إلى صاحب البيت، يجول بصره في البيت وأبوابه وجدرانه وساحته وما فيه من مصابيح وفراش ومن يدخل فيه ومن يخرج منه، ويفرح عندما تأتي شخصيّات لها مكانة اجتماعيّة إلى ذلك المكان؛ فلا يكون لهكذا رجل نصيب من الفيض ولو بمقدار رأس الإبرة، وسوف لن يخطو خطوة واحدة وإن دام بقاؤه في هذا المكان مائة سنة؛ وذلك لأنَّ مجالسة الإمام بحدّ ذاتها لا تفي بالغرض؛ ألم يكن يعيش أولئك النفر مع رسول الله؟! ألم يكونوا يحجزون لأنفسهم مكانًا للصلاة خلف رسول الله مباشرة؟! فهؤلاء هم الذين غصبوا الخلافة من صاحبها الأصليّ، وهم الذين قاموا بكسر باب بيت الوحي وضغطوه على بضعة رسول الله، وقطّعوا جسدها الطاهر أمام أنظار أهل البيت. فمن الذي فعل كلّ هذا؟ ألم يفعله أولئك الذين كانوا يصاحبون النبيّ، والذين كانوا يأتون ويجلسون في بيت النبيّ ويشغلون وقته.
فمجالسة المعصوم لا تكون لها تلك الأهميّة، ما لم يُسلِّم الإنسان قلبه له. فيجب تسليم القلب أولًا، ويجب تسليم الإرادة والاختيار وإكنان المحبّة والاشتياق؛ فإن تمّ ذلك، فالمعصوم يعلم ما الذي سيفعله، وهو يعلم كيف سيُمهِّد له الطريق لكي يتمكّن من طيّه.
بناءً على هذا، فإنَّ هذه الآية في غاية الأهميّة، وهي من الآيات التي تعتبر مفتاحًا لطريق الإنسان، وهي آية تبيِّن الهدف بدقّة وتوصل إليه. فالآية تدعو الإنسان لمعرفة نفسه أولًا، وأنه ما هو الطريق الذي اخترته لنفسك؟ وكم هو مقدار ثباتك على الحقّ والتزامك بالأمور الحقّة؟ فإن علمت بنفسك انحراف مسير فلان من الناس، في الوقت الذي طلب منك الآخرون غضّ النظر عن ذلك وقالوا لك: ما شأنك وهذا. فاعلم بأنَّ قولهم باطل، وعليك عدم المضيّ في هذا الطريق. فغضّ النظر هذا لا يتلاءم مع طريق الله، ولا محلّ في هذا الطريق لما يقال: تعال واسلك هذا الطريق وسترى النتائج لاحقًا؛ فطريق الله هو الطريق الذي لا ريب ولا شك فيه.
