
ضرورة الاهتمام بالنفس واليقين في السير إلى اللـه
خطبة عيد الفطر لعام 1434 هـ ق
ما معنى آية عليكم أنفسكم وما هو المفتاح الذي تضعه بأيدي السلاك إلى الله؟ وما هو الاهتمام المطلوب بالنفس وما هو الاهتمام المطلوب بالغير؟ وهل يتنافيان؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات من خلال تفسير قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم. مبيّنة أثر هذا الاهتمام في تحصيل اليقين والاطمئنان والذي هو إحدى الضرورات لقطع الطريق إلى الله، وقد استشهد فيها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني في بيان ذلك بآية: ذلك الكتاب لا ريب فيه وبسِيَر الأولياء العظام الذين تمسّكوا بالكتاب فوصولوا إلى حيث وصلوا.
ضرورة الاهتمام بالنفس واليقين في السير إلى اللـه
4لقد استعرضت للإخوة الإيمانيِّين والأخلاّء الروحانيِّين في ليالي شهر رمضان، حين منَّ الله عليَّ بالّلقاء بهم، أمورًا تتعلّق بهذا الموضوع؛ ووصل بنا الحديث إلى هذا المقام، وهو أنَّ على الإنسان ألاّ يُركِّز انتباهه على ما يفعله الآخرون، ولا على شخصيّاتهم، ولا إلى ما يفكّرون به ويطرحونه من أفكار. فعندما يعثر الإنسان على الطريق الصحيح، ويتعلّم بعض التعاليم من العظماء، ويتمكّن من تشخيص الحقّ من بين الأمور الباطلة، والطريق الصحيح من بين مختلف الطرق الأخرى، فيجب عليه والحال هذه ترك الالتفات إلى طرق الضلالة تلك، وإلى الأمور المتشتّتة، وما يدور بين الناس من مسائل؛ فإن التفت إليها فقد خُدع، وسيعمل ذلك على تزلزل واضطراب وتشويش تلك الواقعيّة والحقيقة التي يجب أن يُبنى عليها ويستحكم الاعتقاد القلبي ويصل إلى حال الاطمئنان، وهذا ممّا لا يتلاءم ولا يتماشى مع طريق الله والذي هو طريق الاطمئنان والبرهان والمنطق والإتقان.
ضرورة اليقين والاطمئنان في السير إلى اللـه وتفسير آية ذلك الكتاب لا ريب فيه
لقد جاء في الآية الشريفة {ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فيهِ هُدىً لِلْمُتَّقينَ}۱. أي إنَّ ذلك الكتاب المنزل هو كتاب متقن، لا سبيل للشكّ إليه، وفيه اليقين والإحكام والعلم والقطع. فلا يمكنك أن تجد موضعًا للشكّ والترديد في هذا الكتاب الإلهيّ. ولمّا كان هذا الكتاب يحمل صفة العصمة، لذا فيمكن التمسّك به. والعصمة تعني القطع، فهذا الكتاب يتحدّث عمّا يريد بيانه بضرس قاطع؛ وعندما يطرح موضوعًا، لا يرافق هذا الطرح الترديد، ولا كلمات لعلّ ومن الممكن أو يُحتمل أن يكون كذلك. فالمواضيع التي تُنقل عن الآخرين والتي تترافق مع كلمات لعلّه يكون هكذا، أو من الممكن أن يكون كذلك، أو يُحتمل أن يكون كذا، لا يمكن التعويل عليها. فكيف يمكنني أن اتّخذ قرارًا يكون مبنيًّا على أمرٍ احتماليّ؛ وكيف يمكنني قبول هكذا أمر.
لا يمكن لطريق الله أن يكون مبنيًا على لعلّ والاحتمال، بل طريق الله هو ذلك الطريق المبنيّ على القطع. أي هكذا يكون الأمر ولا يمكن أن يكون بشكل آخر؛ وهكذا هو واقع الأمر وما سواه باطل. ومن المتيقّن بأنَّ هذا الأمر يكون بهذا الشكل، وأمّا ما سواه من الأمور، فقد تحمل وجوهًا متعدّدة. فهذا هو معنى القطع، وهذا هو الذي لا ريب فيه. لذا فإن حجيّة القرآن وسنده يسقط عن الاعتبار بمحض التزلزل. فإن شكّ أحدهم في انتساب آية إلى الله، فإنَّ هذا الشك سيكون بحدّ ذاته عاملًا على سقوطها. فبناءً على هذا وكما أنَّ الآيات القرآنية تصرّح بعدم وجود أيّ ريب فيها، فكذا يكون الأمر في ذلك المسير الذي تُرشد إليه تلك الآيات، فلا يمكن أن يكون هنالك أيّ نوع من الشكّ والتزلزل في ذلك الطريق، بل لا بدَّ وأن يكون ذلك الطريق، طريقًا مبنيًا على اليقين. فسالك طريق الله، ومن هو مؤمن بالكتاب الإلهيّ يجب أن يكون موقنًا بالطريق الذي يسلكه. فلا محلّ في هذا الطريق لما يُطرح في الأماكن الأخرى من القول: افعل هذا الأمر الآن، فلعلّك ستشاهد نتائجه فيما بعد؛ أو تعال وتابع هذا المسير، فلعلّ الأمور ستتّضح لك مستقبلًا؛ أو تعال وتابع هذا الطريق، ألا ترى بأنَّ أتباعه كثيرون، وفيهم المسنون، ولأتباعه مكانة اجتماعية مرموقة. فكلّ ذلك هو ممّا يلقيه الشيطان والناس من تعليمات وتوجيهات مبنيّة على الأهواء والأوهام والتخيّلات في أسماع الآخرين.
- سورة البقرة (٢)، الآية ٢..
