انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

حقيقة التقوى ومراتبها

خطبة العيد لعام 1428

0
عيد الفطر

في خطبة عيد الفطر المبارك لعام 1428 قرّر آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني أنّ حقيقة التقوى ليست بمعنى الخوف والرعب من غضب الله تعالى شأنه، بل لا تعني التقوى إلاّ الاضطراب والقلق الناشئ من عدم الوصول إلى المواهب العالية والكمالات السامية التي أودع الله فينا الاستعداد إليها. وتعّرض سماحته لبحث اختلاف التكاليف باختلاف الموضوع والمتعلّق واختار أنّ هناك تكاليف ظاهريّة وتكاليف باطنيّة وأنّ لكلّ فردٍ أحكاماُ وتكاليف تتناسب مع مرتبته وأنّ على المرء أن لا يقيس نفسه إلى المراتب الأدنى منه مهما وصل إلى مراتب من الفهم والإدراك. وأشار دام ظلّه إلى لزوم سعي السالك إلى نيل معالي الاُمور وترك سفاسفها، وضرورة ذكر نعم الله وفضله وشكره على آلائه وعوائده، كما تكلم في آخر الخطبة عن حقيقة العيد في فنّ السّر وأنّه الورود إلى حرم الله ومائدته والنيل من مواهبه وعناياته ،فجدير بالسالك إلى الله أن يحافظ على حالاته في شهر رمضان لنيل نفحات العيد وما بعده ويتعّرض لفيضه وبركاته.

حقيقة التقوى ومراتبها

5
  • وعلى أساس ذلك فماذا سيكون معنى التقوى في قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ}؟ ليست التقوى بمعنى الخوف وقد فسّرت به غلطاً، ولا بمعنى الرعب الناشئ عن غضب غاضب وقوّته. التقوى نوع من الاضطراب والقلق الناشئ من عدم الوصول إلى المواهب العالية والكمالات التي قدّرها الله، هذا هو معنى التقوى. يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله تعني أنّ عليكم أن تكونوا على شيء من القلق تجاه عواقبكم وتجاه فوات تلك المواهب التي قدّرها الله لكم. فالله تعالى لم يقدّر لكم مواهب صغيرة أو عطايا سخيفة. إنّ وجودكم في الدنيا كان لأهداف أخرى، فلا تقضوها بالتافه ولا تطووا أيامها بالأعمال اليوميّة، فتحرموا من تلك العطايا والمواهب.

  • فالتقوى إذن نوع من القلق على العواقب التي جعلها الله مقاصدَ وغاياتٍ وأهدافاً لخلقنا، وهي عبارة عن الوصول إلى معرفة الله، ولذا يكون معنى الآيات الآمرة بالتقوى هو ضرورة الاهتمام والقلق تجاه عدم الوصول إلى الفعليّات والكمالات التي أودع الله فينا استعدادها، فنبتغي الوسيلة إلى تحقيق ذلك. ومفاد قوله تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتي‌ وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَة} هو: اجعلوا أنفسكم في مأمن ووقاية ودرع من هذه النار، اجعلوا بينكم وبينها حجاباً، اجعلوا لأنفسكم وسيلة ترفع الخوف والقلق من عدم الوصول إلى تلك المراتب. وآية {وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى‌}۱ تعني ضرورة أن يكون الإنسان في مقام يشكّل له زاداً للوصول إلى تلك المرتبة. 

  • فظهر أنّ قوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ} يفيد أنّ للإنسان مراتب مختلفة في امتلاك هذا الزاد وتلك الراحلة، وذلك الحجاب والدرع الحاجز عن النار، والمؤدّي إلى القلق والاهتمام بالوصول إلى تلك المراحل

  • اختلاف التكليف باختلاف الموضوع والمتعلّق

  • للإنسان في ذلك مراتب مختلفة من التقوى، وعلى أساس ذلك فالأحكام والتكاليف التي جعلت لنا هي أحكام مختلفة، فهناك تكاليف ظاهرة وتكاليف باطنة، والتكاليف الباطنة هي الأخرى تتفاوت من شخص لآخر. فالعوام الذين لا يتمتّعون بقسط وافر من الفهم والإدراك والشعور للمراتب الأرفع يختلف تكليفهم عن صاحب الفهم والشعور والإدراك الذي وصل في قواه المدركة إلى مطالب أخرى، ونال بواسطة سعة صدره وقوّة ذهنه والمعلومات التي اطلّع عليها مسائل اُخرى، هذا تكليفه مختلف. الأحكام من الحرام والحلال والمستحبّ والمكروه توضع على أساس الظاهر. وإذا عبر الإنسان من مرتبة الظاهر فسيكون الوجوب أدقّ عنده من الوجوب الظاهر، وستكون الحرمة عنده أهمّ من الحرمة الظاهريّة. ما في الرسائل العمليّة هو الحديث عن الحلية والحرمة الظاهريّتين، أمّا في المراتب الباطنيّة فتختلف مسائل الحرمة والوجوب والكراهة والاستحباب. فالحكم الشرعيّ لفرد من العوامّ هو وجوب الصلاة اليوميّة، ولا بدّ أن يقوم بذلك، ويحرم عليه الغيبة والتهمة والاعتداء على أموال الآخرين، ويحرم عليه إيذاء المؤمن، فهذه مصاديق للأحكام الشرعيّة الظاهريّة من الوجوب والحرمة. أمّا الإنسان الذي له ميل ما نحو الباطن فيحرم عليه الخيال والخطور المخالف والفكر المخالف، ويجب عليه الفكر الموافق، ويصير من الواجب عليه أن يراعي بعض المسائل، فلكلّ شخص أحكام وتكاليف تناسب مرتبته. فإن اهتمّ بأدائها انتقل إلى المرتبة اللاحقة وإلاّ بقي في مرتبته متوقّفا ولن يتحّرك. وربّما يثير تعجّبنا ما في بعض الروايات من أنّ عدم التوجه و أقلّ غفلة عن مشاهدة المحبوب ولو للحظة واحدة، وعدم مراعاة الأدب أمام الذات الإلهية يوجبان هبوط الإنسان من أعلى المراتب التي حصّلها.. لحظة واحدة من الغفلة ترمي به في حضيض الذلّة وتبعده عن حريم الربّ؛ لذا يوصي الأولياء العظام مؤكّدين أنّ على الإنسان أن لا يقيس نفسه إلى المرتبة الأدنى منه مهما وصل إلى مراتب من الإدراك والفهم والشعور. فلا يمكنه أن يقول: فلان لا يفعل كذا وكذا. لا يمكنه أن يقول: كثير من الناس لا يلتفتون إلى تلك المسألة. لا يمكن أن يقول: لماذا أخي لا يفعل ذلك الفعل؟! فكلّ شخص يطلب الله منه بحسب فهمه وإدراكه إلى أن يصل الإنسان بواسطة طيّ المراتب إلى تلك المرتبة المطلوبة، ويرفع كافّة الحجب ويخرج من مقام الاضطراب والترديد، ويصل إلى مقام الاطمئنان، ويصل إلى ذلك المقام الذي تبقى النفس فيه على سكون، ولا يمكن لشيء أن يؤدّي إلى تزلزلها. لماذا؟ لأنّ الكثرة قد تبدّلت لديه إلى وحدة، لقد كانت عينه حتّى الآن تنظر نحو الكثرة، كانت ترى الأهواء المختلفة. كانت رؤيته رؤية كثرة ورؤيةً نفسانيّة، وكانت تظهر في نفسه أهواء مختلفة؛ فيوماً كان يجعل همّه لجمع المال، ويوماً لتحقيق الجاه والشأن والشخصيّة، وكان يتحرّك إلى هنا وهناك من أجل جمع المؤيّدين، ومن أجل جمع المال، كلّ همّه تحصيل الأغراض الدنيويّة، ولم يكن يرعوي عن شيء في سبيل تحصيل شهواته، وعمارة الدنيا وراحة الجسد وهذا هو شأن الدنيا: 

    1. مقطع من الآية ۱٩۷ من سورة البقرة.