
حقيقة التقوى ومراتبها
خطبة العيد لعام 1428
في خطبة عيد الفطر المبارك لعام 1428 قرّر آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني أنّ حقيقة التقوى ليست بمعنى الخوف والرعب من غضب الله تعالى شأنه، بل لا تعني التقوى إلاّ الاضطراب والقلق الناشئ من عدم الوصول إلى المواهب العالية والكمالات السامية التي أودع الله فينا الاستعداد إليها. وتعّرض سماحته لبحث اختلاف التكاليف باختلاف الموضوع والمتعلّق واختار أنّ هناك تكاليف ظاهريّة وتكاليف باطنيّة وأنّ لكلّ فردٍ أحكاماُ وتكاليف تتناسب مع مرتبته وأنّ على المرء أن لا يقيس نفسه إلى المراتب الأدنى منه مهما وصل إلى مراتب من الفهم والإدراك. وأشار دام ظلّه إلى لزوم سعي السالك إلى نيل معالي الاُمور وترك سفاسفها، وضرورة ذكر نعم الله وفضله وشكره على آلائه وعوائده، كما تكلم في آخر الخطبة عن حقيقة العيد في فنّ السّر وأنّه الورود إلى حرم الله ومائدته والنيل من مواهبه وعناياته ،فجدير بالسالك إلى الله أن يحافظ على حالاته في شهر رمضان لنيل نفحات العيد وما بعده ويتعّرض لفيضه وبركاته.
حقيقة التقوى ومراتبها
الوصف:
في خطبة عيد الفطر المبارك لعام 1428 قرّر آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني أنّ حقيقة التقوى ليست بمعنى الخوف والرعب من غضب الله تعالى شأنه، بل لا تعني التقوى إلاّ الاضطراب والقلق الناشئ من عدم الوصول إلى المواهب العالية والكمالات السامية التي أودع الله فينا الاستعداد إليها. وتعّرض سماحته لبحث اختلاف التكاليف باختلاف الموضوع والمتعلّق واختار أنّ هناك تكاليف ظاهريّة وتكاليف باطنيّة وأنّ لكلّ فردٍ أحكاماُ وتكاليف تتناسب مع مرتبته وأنّ على المرء أن لا يقيس نفسه إلى المراتب الأدنى منه مهما وصل إلى مراتب من الفهم والإدراك. وأشار دام ظلّه إلى لزوم سعي السالك إلى نيل معالي الاُمور وترك سفاسفها، وضرورة ذكر نعم الله وفضله وشكره على آلائه وعوائده، كما تكلم في آخر الخطبة عن حقيقة العيد في فنّ السّر وأنّه الورود إلى حرم الله ومائدته والنيل من مواهبه وعناياته ،فجدير بالسالك إلى الله أن يحافظ على حالاته في شهر رمضان لنيل نفحات العيد وما بعده ويتعّرض لفيضه وبركاته.
حقيقة التقوى ومراتبها
7لزوم ذكر نعم الله وفضله وآلائه
وهنا ينبغي أن ندرك قيمة هذه المدرسة النورانيّة، ونشكر الله تعالى كما يقول:
{وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَميعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون}۱.
لقد كنتم في زمان تحومون حول النار، كنتم في عصر الجاهليّة قد تخلّيتم عن كافّة القيم، وكانت كلّ مطالبكم دنيويّة، كنتم دائماً تتنازعون وتسفكون الدماء بسبب الخلافات القبليّة والدنيويّة، كنتم تئدون بناتكم، وكنتم تقضون حياتكم سعياً وراء التافه، لقد كانت حياتكم تتمحور حول هكذا أمور. علاقاتكم علاقات أنانيّة وفرعونيّة، لقد كانت خالية من الرابط الإلهيّ والتوحيدي، وكنتم تحيون معاً على أساس التفاخر، على أساس الأنانّية المادّية على أساس التكاثر في الأموال، لا على أساس الإنسانيّة ولا على أساس التوحيد ووحدة الانتساب إلى الحقّ تعالى. كانت صداقاتكم تقوم على المصالح الماديّة، كنتم عند اختيار إخوانكم تنظرون إلى ظاهر الأخ لا إلى باطنه، وكنتم في بناء حياتكم تهتمّون بالمظاهر وما يهمّ الناس، لا بالعقل وحقيقة هذه الحياة. كنتم كذلك حتى منّ الله عليكم:
{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنينَ إِذْ بَعَثَ فيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبينٍ}٢.
منّ الله عليكم وأرسل إليكم رسولاً من عنده ليبدّل ميولكم إلى التوحيد، ورغباتكم إلى الرغبة في التوحيد، ليبدّل مسيركم في هذه الدنيا والذي كان على أساس النظرة الماديّة إلى مسير على أساس النظرة الإلهيّة، منّ عليكم لينجيكم من هذا المأزق، ولينفخ فيكم من روح التوحيد، فيتبدّل سلوككم وعلاقاتكم ورؤيتكم، وليخرجكم عن توغّلكم في الكثرة، ويحلق بكم في سماء القداسة والطهارة.
لذا علينا أن نطبّق هذه المسألة على أنفسنا، وكلام أمير المؤمنين عليه السلام وهذه الآية بحرفيّتها منطبقان علينا، فكيف كانت حالنا قبل أن نطّلع على هذه المدرسة؟ لقد كانت أفكارنا أفكاراً أخرى، ميولنا ورغباتنا كانت مختلفة، أهدافنا كانت مختلفة، كنّا نرى القيمة في أشياء أخَر، كنّا نرى صلاحنا في رفاهية البدن وعمران الدنيا. كنّا نرى القيمَ النفسيّة والروحيّة منحصرة في العلاقات الاجتماعيّة والعواطف الكاذبة، كنّا من أجل سدّ حاجاتنا النفسيّة نتوجّه إلى ما يتوسّل به الناس، وكنّا نسعى إلى تعزيز مكانتنا الاجتماعيّة، وكنّا نفخر بوصولنا إلى ذلك، وكنّا في سبيل ذلك نبحث ليل نهار عمّن يدور في فلكنا، مع علمنا بأنّ ذلك كالسمّ الهالك الذي يقتل ضميرنا ووجداننا، ويحول بيننا وبين تلك المرتبة من التقوى، ويجعلنا في كلّ آن رهناً للتغيّرات والأحداث والتقلّبات الداخليّة والاضطرابات والتردّدات. فمع كلّ حادثة تنقلب أحوالنا، ومع كلّ مدّ وجزر في ظروفنا تنقلب أحوالنا رأساً على عقب، ونفقد استقرارنا وراحتنا. كانت أعيننا دائماً على الحوادث نرقبها: ماذا سيصيبنا وماذا سيجري علينا؟ كنّا دائماً منشغلين بذلك، نطوي الأيّام على ذلك الحال، ونصل الأسابيع بعضها ببعض على ذلك، وهكذا نقضي السنة تلو السنة. كنّا كذلك حتّى هبّ علينا نسيم من أولياء الله، وورد علينا ريح الصبا من أقوال وكتابات أولياء الله، فاطمأنّت منّا القلوب وسكنت، فكشفت لنا الدنيا عن وجهها واعتباريّتها، وظهر لنا مجازها وبطلان سلوك أهلها، واتّضحت لنا حقيقة التوحيد وحقيقة عالم المعنى، وفتح أمامنا ذراعيه ليحتضننا. وأمّا تلك المسائل التي كنّا مبتلين بها فلم يعد لها اليوم أيّة قيمة، وتلك المسائل التي لم نكن نبالي بها حتّى الأمس صارت اليوم أساساً في حياتنا. ولذا قالوا: لو أنّا شكرنا الله إلى يوم القيامة لما أدّينا حقّ هذه المدرسة. وهذا هو حقّ الأمر ويجب أن يكون كذلك، لماذا؟ لأنّهم يدعوننا إلى أمر عاقبته مقام القدس، يدعوننا نحو اتّجاه عاقبته الرَوح والرضوان الإلهي، يدعوننا إلى مكان لو أنّهم وضعوا في أيدينا حكومة الدنيا وحكومة الآخرة لقاء لحظة منه لكان من الجنون أن يقبل أحد بذلك، لقد دعونا إلى ذلك المقام.
- آل عمران ۱۰٣.
- آل عمران ۱٦٤..
