
تمام الإيمان حبّ علي بالقلب واليد واللسان
عيد الغدير 1435 هـ
ما هي فائدة إحياء عيد الغدير اليوم، وما هي صفات العالم الإلهي، وما هي مراتب الإيمان لدى الإنسان؟ أسئلة أجاب عليها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره في محاضرته التي ألقاها يوم الغدير في قم، وتناول فيها بالإضافة إلى ذلك، مسألة ضرورة الاتصاف بالصدق والاستفادة من تجارب الآخرين، مبيناً أن التأييد الإلهي يبقى مع الإنسان ما دام هو على الجادة المستقيمة، وأكد على ضرورة الاستفادة من الاختبارات التي حصلت مع المسلمين الأوائل، ثم أشار إلى أن تمام الإيمان هو نصرة الإمام باليد بعد القلب واللسان، وأنه من الضروري على الإنسان أن ينتقل بالقلب إلى ذاك العصر ويتعرف على الواقع، وكشف عن حقيقة التمسك بالولاية وحقيقة الانتظار
تمام الإيمان حبّ علي بالقلب واليد واللسان
21معنى التمسك بالولاية ومعنى الانتظار
عندما نقول: «الحمد لله الذي جعلنا من المتمسّكين»، علينا أن نعلم ما هو المراد من التمسّك، ولا ننسى ذلك؛ فالتمسّك هو بمعنى التشبّث ونشب الأظافر.. هل رأيتم سابقًا غريقًا في البحر؟ فحينما يلقون إليه بحبل، تراه فجأةً ينشب أظافره في ذلك الحبل ويتشبّث به؛ فهذا
هو المراد بالتمسّك، وأمّا ذلك الذي ـ من باب المثال ـ يضع ستارًا لكي... فلا يُقال له أنّه تمسّك؛ فالمتمسّك بالشيء هو الذي ينشب أظافره فيه؛ ممّا يعني أنّه يرى نفسه على حافة الموت، وأنّه يغرق، وأنّه معرّض للهلاك؛ وفجأةً، يرى حبلاً قد ألقي إليه أو يدًا امتدّت إليه؛ فهذا الذي يُقال له تمسّك! ولهذا، علينا أن نفهم المراد من التمسّك، ونرجو من الله تعالى في هذا اليوم أن يقسم لنا هذا المعنى من التمسّك، ويُوفّقنا فيه للتمسّك بأذيال ولاية إمام الزمان عليه السلام؛ لأنّ كلّ شيء هو من الله تعالى.
فاليوم هو اليوم الذي ينبغي علينا فيه تجديد الولاية والبيعة مع الولاية؛ أي أن نقول: مهما يكن الذي فعلناه لحدّ الآن، فقد صار في حكم الماضي؛ فلنشرع مجدّدًا منذ هذه السنة، ولنجعل من هذا اليوم (يوم عيد الغدير) أوّل يوم من سنتنا هذه، ولنر ما الذي يريده إمامنا منّا: أي متى نتحدّث، ومتى نلتزم الصمت؛ فلا ينبغي الحديث في كلّ موضع مهما كان، وما هو المكان الذي يحوز على رضا الإمام لنمشي فيه! فعلينا أن نقدّم رضاه عليه السلام على رضانا الشخصي، وأن نجعل أنفسنا في تلك الأجواء التي كانت في ذلك الزمان؛ فإذا صار الأمر بهذا النحو، حينئذٍ، سنكون من المنتظرين لظهور الحقّ بواسطة المهدي الموعود ابن علي عليه السلام؛ وسنكون من السائرين في ذلك الطريق، وسنضع أنفسنا ـ نحن أيضًا ـ في قلب حادثة الغدير والفضاء المحيط بها.
فالتوفيق الذي منّ به الله تعالى في هذا اليوم على بعض الأصدقاء والأخلاّء الإيمانيّين والروحانيّين يتمثّل في أنّهم يريدون اليوم أن يسلكوا هذا النهج بقدم راسخ وباستقامة أكبر؛ فمسألة التعمّم لا تقتصر فقط على وضع العمامة؛ لأنّ هذه الطقوس والعادات لها نظير أيضًا في الكنائس عند أولئك الذين يريدون أن يصبحوا قساوسة؛ وحينئذٍ، ما هو الفارق بيننا وبين القساوسة والحاخامات؟! وهل يقتصر ذلك على مجرّد اللباس، أم لا؟! فهذا اليوم بالنسبة إلينا هو اليوم الذي نريد أن نحقّق فيه ما كان ينبغي على الناس في ذلك الزمان أن يفعلوه ولم يفعلوه. واليوم هو اليوم الذي ينبغي علينا فيه ـ من خلال هذا التبديل للباس والملامح ـ أن نضع أنفسنا في نفس ذلك المسار الذي جاء الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ووضع فيه أمير المؤمنين عليه السلام؛ وهو عبارة عن تبليغ الرسالة الإلهيّة وإبلاغ ما فيه صلاح الناس وخيرهم؛ وهذه هي المسألة التي ينبغي علينا أن نجعلها محطّ أنظارنا! ولنعلم أنّه لو صدر منّا فعل أو تصرّف أو كلام أو عمل ولو لدقيقة واحدة أدّى لا سمح الله للخدش ـ وانتبهوا فهذه المسألة حسّاسة جدًّا ـ في معتقدات الإنسان والمهمّة التي كلّف الله تعالى بها الإمام من أجل تبليغها للناس، فإنّنا سنُسأل عن ذلك في يوم القيامة. ولنعلم أيضًا أنّه إذا صدرت منّا كلمة أو خطوة واحدة كانت سببًا في تصحيح سلوك الناس ومعتقداتهم ودينهم، فإنّ ثواب تلك الكلمة والخطوة لا نهاية له؛ ولهذا قال الرسول الأكرم لأمير المؤمنين: يا علي، لئن يهدي الله على يديك نسمة خير لك ممّا طلعت عليه الشمس؛۱أي: إذا اهتدى شخص على يديك، وصار واعيًا بما يفعله، وغيّر مساره، وبدّل معتقداته، وعدل عن الطريق الذي كان يسلكه ـ حيث كان إلى اليوم يقوم بالعمل الفلاني، فاكتشف أنّه كان مخطئًا، وأنّ عليه القيام بعمل آخر ـ، فإنّ فائدة ذلك بالنسبة إليك أكثر ممّا طلعت عليه الشمس؛ أي لا حدّ لها! ولا حدّ لثواب ذلك بالنسبة إليك.
- عليُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم إِلَى الْيَمَنِ وقَالَ لِي: يَا عَلِيُّ لَا تُقَاتِلَنَّ أَحَداً حَتَّى تَدْعُوَهُ وايْمُ اللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ ولَكَ وَلَاؤُهُ يَا عَلِيُّ. (الكافي، ج ٥، ص ٢۸). المترجم
