
تمام الإيمان حبّ علي بالقلب واليد واللسان
عيد الغدير 1435 هـ
ما هي فائدة إحياء عيد الغدير اليوم، وما هي صفات العالم الإلهي، وما هي مراتب الإيمان لدى الإنسان؟ أسئلة أجاب عليها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره في محاضرته التي ألقاها يوم الغدير في قم، وتناول فيها بالإضافة إلى ذلك، مسألة ضرورة الاتصاف بالصدق والاستفادة من تجارب الآخرين، مبيناً أن التأييد الإلهي يبقى مع الإنسان ما دام هو على الجادة المستقيمة، وأكد على ضرورة الاستفادة من الاختبارات التي حصلت مع المسلمين الأوائل، ثم أشار إلى أن تمام الإيمان هو نصرة الإمام باليد بعد القلب واللسان، وأنه من الضروري على الإنسان أن ينتقل بالقلب إلى ذاك العصر ويتعرف على الواقع، وكشف عن حقيقة التمسك بالولاية وحقيقة الانتظار
تمام الإيمان حبّ علي بالقلب واليد واللسان
12لكن لو كنت قد وضعت عليًا ووقفت خلفه، ففي هذه الحالة نعم المسألة تختلف، فعلينا أن نلتفت لأنفسنا بعض الشيء، فالمسألة دقيقة جداً. ذلك الشخص الذي يقول لا فرق بين هذا وذاك، فهو يعمل على الدعوة لنفسه في الحقيقة والواقع، وعندما يأتي شخص ويقول لا فرق بين فلان وفلان وكلاهما واحد، فهو في الواقع يذيع معتقداته وينشرها.
فالشخص الذي يمدح الشمس يريد أن يقول: أنا أرى الشمس ولستُ بأعمى، فالشمس مكانتها معروفة، ولكن أنت من يتمدح الشمس وتعرّف عنها، وأنت من يبيّن مقدارها، وأنت من يعرّف حرارتها ونورها، ما الذي يعنيه هذا؟ يعني أنا شعرتُ بها بنفسي ورأيتها وأحسست بحرارتها، وأنا الآن أبيّن لكم ذلك، صحيح؟
إذاً فالذي يحبّ أمير المؤمنين بقلبه فقط، ولا يذكر ذلك على لسانه، هو مثل أولئك الأشخاص الذين بايعوا في يوم عيد الغدير أمير المؤمنين ثم بعد ذلك تبعوا أبا بكر، فهذا المقدار من الرواية ينطبق على أولئك. وكذلك ينطبق على الأشخاص الموجودين الآن الذين يعرفون أن الحق مع أمير المؤمنين ولكنهم يقولون: ليس كلّ شيء يُقال، نعم نعرف أنّه على حق، ولكن هناك بعض المصالح! فعندنا عائلة وعشيرة، وعندنا جيران! فلا يمكننا أن نقول كل شيء فكلّ شيء له حسابه.. نعرف بأن هذا المطلب مطلب حق؛ ولكن لا داعي لأن يتكلم الإنسان بكلّ حق، ويجري ذلك على لسانه، فلو تكلمنا بذلك فلن يبق شيء، ولا يبقى حجر على حجر، فلو كان كل شيء يقال؛ فمتى يكون وقت التقية إذاً؟ فمتى هو وقت التقيّة؟ فعندنا عشيرة، ونحن
محاسبون على كل شيء. [فهم يقولون هذا الكلام] والحال أنهم يعرفون الحق ويرونه ويعتقدون به، فما هو حال هؤلاء؟ حالهم أنّهم عندهم ثلث الإيمان؛ لأنهم يعرفون الحق.
هنا [في الرواية] ذُكرت مسألة المحبّة؛ لأن الإنسان قد يعتقد بشخص معيّن ولكن لا يُكِنّ له المحبّة، فالمحبّة لا بد من أن تفتح الطريق بقدر معين للشخص، لذلك لم يقل رسول الله: يا علي من عرفك بقلبه.. بل قال: من أحبّك بقلبه.. فهذه أيضاً مسألة مهمّة، فالكفّار أيضاً كانوا يعرفون رسول الله {يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ} ۱فهل يمكن لأب أن لا يعرف ابنه؟! فهل يمكن لأم أن لا تعرف ابنها؟! فلا يوجد أوضح من هذا المثال! ففي مقام المعرفة، أعلى مرتبة من المعرفة هي معرفة الأب ابنه، والأم ولدها؛ فالولد متولّد من الأب والأم. لكن أولئك الذين كانوا يعرفون رسول الله لم يكونوا يحبونه، وهنا يريد رسول الله في الحقيقة أن يفتح لأولئك الناس طريقاً، فيقول لهم: إن كنتم تصدّقون بأمير المؤمنين بقلوبكم، وأنتم ثابتون على ذلك الشيء الذي صدّقّتم به ومحبّون له؛ ولكن ليس عندكم القدرة والجرأة على بيان ذلك؛ لأنكم تراعون المصالح، فالطريق مع ذلك مفتوح لكم، وليس مغلقاً كما هو مغلق أمام أولئك الكفّار الذين {يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ...} ؛ لذلك ترى الأشخاص الذين كانوا مع رسول الله في واقعة الغدير قد رجعوا واحداً بعد واحد، ولم يبقوا ثلاثة أو أربعة أشخاص إلى الأخير، فتقريباً في كل أسبوع كان يرجع منهم واحد أو اثنان، ويتوبون، ويقولون: يا علي سامحنا فقد خدعنا الشيطان، ولم ندافع عنك، ولكن بعد فوات الأوان. لذا بعد ثلاثين أو أربعين يوماً كان مع علي أربعون أو خمسون شخصاً، وقد عادوا إلى أمير المؤمنين كلّ بحسب مرتبته من الاستقامة، وبحسب مقدار إدراكه، وبحسب ما وفّقه الله إليه.. أتوا إليه وتبعوه، وتراجعوا عن ذلك المنهج وتابوا، وبالأخير كانوا مع أمير المؤمنين، نعم لم يكونوا كأولئك الأشخاص القلائل الذين كانوا معه في بداية الأمر، ولكنهم عادوا إليه أخيراً.
- سورة البقرة، الآية ۱٤٦.
