
رسالة الغدير
عيد الغدير 1432 هـ
وهي محاضرة ألقاها سماحة آية الله الحاج السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره، ضمن مراسم الاحتفال بعيد الغدير الأغر، صبيحة اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجّة، سنة 1432 هـ في مدينة قمّ المقدّسة، وذلك باللغة الفارسية، وتناول سماحته في هذه المحاضرة الغاية والهدف الأساسي من الاحتفال بعيد الغدير. فتعرّض في البداية إلى حقيقة يوم الغدير، وبيّن أنّ فهم أولياء الله ليوم الغدير يختلف عن فهم الناس له، ووضّح أنّ هدف الأولياء في إقامة عيد الغدير هو الوصول إلى كنه الولاية، وأنّ المهم هو أن يكون الإنسان على الحقّ فعلاً، ولا يكفي اعتقاد الناس بأنّه على حقّ، فبيّن أثر معرفة الإمام على أفكار الإنسان وسلوكيّاته، وقرّر بأنّ من يعرف الإمام حقّ معرفته لا يتساهل في إطلاق الألقاب والتعابير والألفاظ على أيٍ كان، كما أشار إلى ضرورة صرف الإنسان عمره في الوصول إلى الولاية الواقعيّة وإلاّ هلك في المواقف الحاسمة، فعرض تصرّفات أصحاب النبيّ بعد ارتحاله كنموذج، وفي المقابل بيّن منظار أمير المؤمنين عليه السلام ليوم الغدير، ووضّح أنّه كان أوّل مراحل الابتلاء بالنسبة له، ثمّ تطرّق إلى معنى الرواية: ذكر عليٍّ عبادة ووضّح أنذكر عليٍّ يكون عبادة حينما نطبّق سيرته على تفاصيل أفكارنا وسلوكنا، وليس بمجرّد لقلقة اللسان باسمه عليه السلام ، وفي هذا السياق عرض لبعض النماذج التي ينبغي تطبيقها في حياتنا تأسيّا بالإمام عليه السلام، فكان النموذج الأوّل: كيفيّة تعامل أمير المؤمنين عليه السلام مع أعدائه، أمّأ النموذج الثاني: متابعة الحقّ مهما كلّف الثمن، في حين أنّ النموذج الثالث:فهو كيفية إحياء مجالس أبي عبد الله عليه السلام، انطلاقاً من فهم مراد الأئمّة عليهم السلام وسيرتهم، وفي الأثناء ذكر بعض الحقائق والأسرار المتعلّقة بتنصيب الأمير عليه السلام في مقام الولاية، وأمّا النموذج الرابع:فكان حول التـأثّر بكلام الناس وبالشائعات وبالكثرة والكمّ، فوضّح ممشى أمير المؤمنين في هذا الصدد، وعرض لبعض النماذج في حياة السيّد الحداد قدّس سره، وخلص إلى نتيجة البحث وهي أنّ الوليّ والمولى الحقيقي هو الذي يحرّر الإنسان من الرقّ ويجعله عبداً محضاً لله عزّ وجلّ، وبأنّ الاتصال بالولاية يكسب الإنسان تأييد المولى وتسديده، ثمّ قرأ بعض الأشعار في حقّ أمير المؤمنين وردّد معه الحضور تلك الأشعار.
رسالة الغدير
27ومن هنا فرسول الله لم يأت في مثل هذا اليوم ليخبرنا أنّ عليّاً وليّ، بل إنّه قام بإيجاد هذا الولي.. قام بإيجاده! ففي هذا اليوم نَـفَس رسول الله الشريف وإرادته المباركة وقلبه ونفْسه الملكوتيّتان قامت بإيجاد هذه المسألة.. من أجل من؟ من أجلنا نحن! فقد جاء وقال بصراحة: إنّي أتحدّث معكم بكلّ وضوح وصراحة، فأنا اليوم قد فتحت أمامكم هذه الشريعة وهذا الطريق، وبعد ذلك فكلّ واحد منكم وشأنه؛ فإن كنتَ من أهل الظاهر ولا تريد إلاّ أن تصلّي وتحجّ وتقرأ القرآن، فسيأتي بعض الأشخاص من بعدي ويتصدّون لأداء هذه الأمور فاتّبعهم، وأمّا إن كنتَ من أهل الباطن وتسعى للوصول إلى حقيقة المطلب، وترغب في الحصول على ذلك الأمر الذي قد غفل عنه الآخرون فهذا عليّ فاتّبعه! فماذا تريد بعد ذلك؟ أنا راحل عن قريب، وسأترك بينكم خليفتي.
وبالتالي، فما هو الأمر المهمّ في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام؟ الأمر المهمّ هو الوصول.. الوصول إلى تلك الحقيقة والوصول إلى الواقعيّة، وقد جاء رسول الله في هذا اليوم ففتح
هذا الطريق لشيعته، إذا كنت ترغب في ذلك فبسم الله.. تفضّل! وهو الآن أيضاً مفتوح.. نفس هذه المطالب التي بيّنها الحقير في هذا اليوم.. هي بعينها ذلك الطريق الذي فتحه رسول الله قبل ألف وأربعمائة سنة، فهذه المطالب و ذلك الطريق قد فتح في ذلك الوقت، وجاءت حتّى استقرّت في قلب وليّ الله المرحوم السيّد العلاّمة الوالد رضوان الله عليه، ثم انبثقت من هناك بصورة كلام ومكتوبات، ثمّ جئت أنا لأحكيها وأنقلها لكم، فأنا لا دور لي أكثر من ذلك! فذلك الطريق هو هذا نفسه، فالولي يأتي ويتّصل بالإمام، فإذا صار متّصلاً فإنّه يقول نفس الكلام الذي يقوله الإمام، ويبيّن نفس المطلب الذي يبيّنه الإمام، ويقوم بنفس الهداية التي يقوم بها الإمام عليه السلام، ويطرح نفس المسألة التي يطرحها، بحيث أنّه لو كان الإمام عليه السلام موجودا لطرح نفس تلك المسألة، ولألقى نفس المطلب في الأذهان، وهذا ما تعنيه الولاية.
فنحن في هذا اليوم نحتفل ونُسرّ ونفرح، فهل تعرفون السرّ في ذلك؟ ليس السبب هو أنّ أمير المؤمنين قد صار إماماً وخليفةً، إذ كم سنة قضاها عليه السلام في الحكم والخلافة والإمامة؟ أربع إلى خمس سنوات لا غير! أربع سنوات وستة أشهر. فهل تستحقّ أربع سنوات وستّة أشهر أن نحتفل من أجلها؟! فقد حكم أولئك خمساً وعشرين سنةً في المقابل، ثمّ وقع الحكم في أيدي بني أمّية وبني مروان، واستمرّ الأمر كذلك حتّى بني العبّاس! حسناً.. فهل هذا الأمر يستحقّ الاحتفال لأنّ أمير المؤمنين قد وصل إلى الخلافة؟! إذا كان هو قد وصل إلى الخلافة، فما علاقتي أنا؟! هو قد وصل إلى الإمامة، فماذا أفعل أنا؟ فذلك الذي وصل إلى الإمامة كان إماماً من الأساس، ولكن أنا قد اكتسبت شيئاً إضافياً هنا، فأنا أقيم الاحتفال من أجل نفسي! أنا يجب أن احتفل في هذا اليوم وأقيم مجالس الفرح والمسرّة من أجل نفسي أنا، وأنا يجب في هذا اليوم أن أجلس وأفكّر وأجدّد النظر في أموري.. من أجل نفسي أنا، ومن أجل وضعي أنا وموقعيّتي أنا، إذ ينبغي ألاّ أصرّ بأنّ الحقّ معي دائماً، لأنّني إذا قلت فسأكون قد تأخّرت عن الغدير و عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، ينبغي أن أنظر أين الحقّ ثمّ أتّبعه، ولا أحاول البحث عن الحقّ في الأفراد، بل يجب أن أبحث عن الحقّ في عليّ وفي مدرسة عليّ.. هذه هي رسالة اليوم، فرسالة عيد الغدير هي هذه!
