
السكينة والاطمينان من ضروريات السلوك
إحدى المحاضرات القيمة و الأساسية التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمد محسن الطهراني قدس سره حول قضايا المرأة و الأسرة و التربية، مع بيان النقاط الأساسية التي تؤثّر في السير و السلوك. في هذه المحاضرة سلّط سماحته الضوء على أهمّية السكينة و الاطمئنان في السير و السلوك، و بيّن أن ذلك له أهمية خاصة في سلوك المرأة، ثمّ عالج سماحته واحدة من أخطر المسائل المعاصرة و هي مسألة الهاتف الجوال وبرامج التواصل الاجتماعي، فبيّن كيف أنّ هذه الأمور إذا لم يتمّ ضبطها قد تصبح سبباً لذهاب السكينة و الهدوء من نفس الإنسان بل قد يؤول الأمر إلى ما هو أخطر. و جدير بالذكر أن هذه المحاضرة مترجمة عن محاضرة ألقاها سماحة السيد في جمع من الأخوات المؤمنات في مدينة قم المقدّسة تحت عنوان (مبانی سیر و سلوک الی الله بانوان(قم) – جلسه 31).
السكينة والاطمينان من ضروريات السلوك
3[وفي الجانب الآخر] هل رأيتم كيف أنَّ البعض لا يستطيع الجلوس ساكتاً؟! فلو أنَّه جلس لدقيقتين دون أن يتكلّم، فكأنّما يكون السقف قد تهدّم فوق رأسه، فتجده لا بدّ أن يتكلّم عن شيءٍ ما.. عن لون السجادة أو العمود أو سبب عدم دوران المروحة... فلا بدّ له أن يقول شيئاً، فهو يتكلّم عن زيادة سعر البنزين أو انخفاض سعر الحمّص، فالاضطراب هو المهيمن على تمام وجود هؤلاء الناس.
العلامة الطباطبائي نموذج السكينة و الاطمئنان
كنت أدعو المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ إلى المنزل لتناول طعام الغداء أو العشاء، وكان ذلك في الزمان الذي كنت أدرس فيه. وقد كنت حريصاً على عدم إتعابه، فلم أكن أتكلّم معه، كما كنت أُوصي الأصدقاء بعدم التكلّم؛ وقد كان يتقبّل تلك الدعوات بلطفه وكرمه ويلبّيها. وعندما كان يأتي إلى الدعوة و في جميع ذلك الوقت الذي كان يقضيه في البيت (والذي كان عبارة عن نصف ساعة قبل الطعام، ثم الوقت الذي يستغرقه تناول طعام الغداء أو العشاء ــ ويبدو بأنَّ أكثر الدعوات كانت للعشاء ــ ثم يتمّ جلب الفاكهة حيث يستغرق ذلك نصف ساعة أخرى) .. في جميع ذلك الوقت لم يكن يتكلّم بشيء اللهمّ إلاّ تقديم الشكر و المجاملات المختصرة. ولقد كان جلوسنا معه مفيداً لنا؛ أي إنَّ مجرد النظر إلى سكينته وهدوئه ووقاره ورزانته كان مفيداً لنا، فقد كان يترك علينا أثراً، ولم يكن الأمر بالشكل الذي يتمّ فيه تناول الطعام ثمّ المغادرة، بل كان حضوره يترك علينا آثاراً؛ ولقد كنت أكرّر دعوته أو أحضر مجالسه لأجل هذا التأثير الذي يتركه على نفوسنا، فلماذا يحصل ذلك؟ لأنَّ نفسه وهو على هذا الحال تكون متّصلة بعالم الملائكة وعالم السكون والاطمئنان.
فإن اتّصلتَ بذلك العالم، ترى نفسك هادئة؛ وأمّا إذا لم يحصل الاتّصال بهذا العالم، فلا بدّ وأن يحصل مع عالمٍ آخر، فترى نفسك تميل إلى كثرة الكلام حول أمورٍ لا طائل لها؛ مثل ما يُكتب في الصحف وما تنقله الإذاعات، و هذا النوع من الاضطراب يبعث على منعنا من السير، فأنا أضمن لكم هنا بأنَّكم لو أدّيتم ذكر اليونسيّة باستمرار لمائة ألف سنةٍ، وأتيتم به أربعة آلاف مرّة بدلاً من الأربعمائة مرّة في اليوم، وأنت على هذا الحال من الاضطراب، فسوف لن تترقّى عمّا أنت عليه ولو قيد أنملة! لماذا يحصل ذلك؟! لأنَّك تسير الآن في الاتّجاه المعاكس؛ فإن كنت تردّد الذكر الآن، فمسجل الصوت يستطيع ترديده أيضاً، بل وبشكل أفضل منك وخصوصاً إن كان التسجيل لقارئ جميل الصوت، فهذا الجهاز يستطيع تكرار «لا إله إلاّ أنت سبحانك إنِّي كنت من الظالمين» لألف مرة، ولكن بدون أيّة فائدة، لماذا؟ لأنَّ ذلك يتمّ بواسطة آلة التسجيل التي هي عبارة عن جهاز، وهذا الجهاز لا يمتلك روحاً لكي يعمل ملكوتُ الذكر على تغيِّير تلك الروح، فهو مادّة صلبة إذ هو عبارة عن تركيب مصنوع من موادّ بلاستكية ومطاطية وزجاجية وحديد، فهو لا يمتلك روحاً، بل هو معدّ ليقوم بإنجاز عملٍ ما. و نحن أيضاً إن كنَّا على هكذا حالٍ، فقد أصبحنا والحال هذه كآلة التسجيل تلك، فيُردِّد الإنسان تلك الآية، لمائة مرة أو مائتين أو ثمانمائة مرة، ولكن سوف لن يكون لذلك أيّة فائدة. لماذا؟ لأنَّ مسيرنا سوف لن يكون متوافقاً مع مسير تلك العوالم الربوبيّة والتي هي عوالم السكينة والثبات، بل بالعكس، إنَّ مسيرنا سيكون في الاتّجاه المعاكس، حيث سيكون مسيرنا مسير التشويش والاضطراب والحركة وعدم السكون والهدوء والثبات.
