
مرتبتان مِن مراتب ستّارية الله: التغاضي عن الذنب ومحوه
وشرح (أنفاسُکم فيهِ تَسبيحٌ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)
قدّم سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله نفسه) كشفًا مبسّطًا عن مرتبتين مِن مراتب ستّارية الله؛ مُبيّنًا عجائب هذا الإله الّذي يتودّد إلى عبده وهو غاضُّ الطرف عن ذنوبه، وراسمًا صورةً واقعيّةً عن هذا الإله الّذي يشتاق إلى عبده ويمحي ذنبه رغم إدباره عنه. فالمرتبة الأولى مِن ستّارية الله هي غض الطرف عن الذنب، والمرتبة الثانية هي محو الذنب، على أنّ الثانية أعلى مِنَ الأولى. فعلى الإنسان الامتثال لهما والتمثُّل بهما ليتحرّك نحو التجرّد، وإلّا توقف. فوضّح سماحته كلا المرتبتين بجملةِ أمورٍ تُعدّ مِن أركان السلوك.
مرتبتان مِن مراتب ستّارية الله: التغاضي عن الذنب ومحوه
9وبسبب [بقاء] هذا الوجود، يستطيع مَن تُفتح عينه الباطنيّة – سواء كان ذلك عن طريق المكاشفة أو عالَم الرؤيا – أن يطّلع على تلك الأمور، وإلّا كيف يمكن للإنسان أن يطّلع على أمرٍ عدميّ! كلّا، لا يمكن ذلك، حتّى الله لا يمكنه الاطّلاع على ذلك، فكيف بعباده! وذلك لأنّ العدم عدم، والعدم يعني اللاوجود.
كيف يمكن للمرء أن يرى في المنام أنّ قضيّة ما ستحصل في الأسبوع القادم، ثمّ تحصل تلك القضيّة كما رآها بالضبط؟ كيف يمكن أن يرى هذا الشيء؟ لا بدّ وأن يكون هناك شيء موجود بالفعل لكي يراه، فما هو ذلك الشيء؟ إنّه تلك الحقيقة المثاليّة الّتي يمكن أن تُرى بواسطة العين الباطنيّة الّتي تُفتح بطريقة أو بأخرى، فقد يحصل ذلك مِن خلال المكاشفات – والّتي هي على أنواع مختلفة – أو مِن خلال الرؤيا الصادقة؛ ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لي ساجِدينَ﴾۱، فقد رأى يوسف هذه الرؤيا عندما كان صبيًّا، وعندما كبُر وبلغ مرحلةً مِنَ العمر جاء أبوه وإخوته ووقفوا أمام عرشه، وقاموا بما قاموا به. إنّ نبيّ الله يوسف كان قد رأى كلّ ذلك، فكيف تمكّن مِن رؤيته؟ نعم، لو لم يكن هناك شيءٌ موجود بالفعل، لَما كان بالإمكان رؤيته، فلا بدّ أنّه موجود بالفعل. ولكن وجوده هذا غير محسوسٍ لنا، فمَن يستطيع أن يشعر به؟ يستطيع أن يرى ذلك مَن فُتحت عينه الباطنيّة بإحدى الطرق، فأولئك هم مَن يستطيعون الرؤية، فهم يطّلعون على المستقبل وعلى الماضي.
كان رسول الله جالسًا في بيت أمير المؤمنين عليه السلام في المدينة – هذه قصّة معروفة٢ – فلاحظ المتواجدون في البيت اختفاء النبيّ، ثمّ بعد مضيّ فترة مِنَ الزمن، عاد رسول الله وقد غطّى التراب وجهه وملابسه، وكان الحزن ظاهرًا عليه، فقال: أخذني جبرائيل في هذه الساعة إلى أرض كربلاء، فرأيتُ كلّ ما حدث فيها. فما الّذي حصل هنا؟ إنَّ غياب النبيّ يعني أنَّه قد ذهب بجسده إلى كربلاء، وإلّا كان بإمكانه أن يرى جميع ما قد رآه وهو في مكانه، كما يحصل لمن يرى منامًا، أو كما حصل لأمير المؤمنين عند عودته مِن صفّين حيث رأى الشيء نفسه في غفوته عند مروره بأرض كربلاء، فأفاق وهو يقول «صبرًا صبرًا لك يا بنيّ»، وعندما سُأل عن ذلك قال «هنا مناخ ركابٍ ومصارع عشّاقٍ لم يسبقهم سابق ولا يلحقهم لاحق»٣، أي إنّ هذا المكان هو المكان الّذي سينزل فيه ويسقط على أرضه عشّاقٌ لا تُعرف أماكن رؤوسهم مِن أرجلهم، هم الّذين لم تأتِ الأزمنة السابقة بمثلهم ولن تأتي الأزمنة اللاحقة بمثلهم.
- سورة يوسف (۱٢)، جزء مِنَ الآية ٤.
- بحار الأنوار، الشيخ المجلسيّ، ج٤٤، ص٢٣٩؛ افق وحى (فارسي) للسيّد محمّد محسن الطهرانيّ ص۱٣۸. (م)
- معرفة الله، العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ، ج۱، ص٣٤٥. مع اختلاف في العبارة؛ بحار الأنوار، الشيخ المجلسي، ج٤۱، ص٢٩٥. [المترجم]
