
مرتبتان مِن مراتب ستّارية الله: التغاضي عن الذنب ومحوه
وشرح (أنفاسُکم فيهِ تَسبيحٌ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)
قدّم سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله نفسه) كشفًا مبسّطًا عن مرتبتين مِن مراتب ستّارية الله؛ مُبيّنًا عجائب هذا الإله الّذي يتودّد إلى عبده وهو غاضُّ الطرف عن ذنوبه، وراسمًا صورةً واقعيّةً عن هذا الإله الّذي يشتاق إلى عبده ويمحي ذنبه رغم إدباره عنه. فالمرتبة الأولى مِن ستّارية الله هي غض الطرف عن الذنب، والمرتبة الثانية هي محو الذنب، على أنّ الثانية أعلى مِنَ الأولى. فعلى الإنسان الامتثال لهما والتمثُّل بهما ليتحرّك نحو التجرّد، وإلّا توقف. فوضّح سماحته كلا المرتبتين بجملةِ أمورٍ تُعدّ مِن أركان السلوك.
مرتبتان مِن مراتب ستّارية الله: التغاضي عن الذنب ومحوه
5فتراه يقف وينتظر ليرى ما الّذي سيجري!! هذا ولعلّ الرجل كان ينتظر صديقًا له، أو كان ينتظر مَن لا يريد أن يعرفه أحد، فاطّلاعك هذا سيكون على خلاف رغبته وهدفه و ... فهناك إلى ما شاء الله مِن تبعات غير هذه. إنَّ العظماء يصفون هذا العمل وما شابهه بأنَّه عمل شيطانيّ، لأنَّه يمنع النفس مِنَ التحرّر؛ وذلك لأنّ الإنسان عندما يريد أن يسير إلى الله، فهو يسير باتّجاه التجرّد، أي بالاتّجاه الّذي لا يحدّه قيد، فيجب عليه حينئذ أن يتخلّص مِن جميع القيود ومِن جميع الأمور الاعتباريّة، والأوهام، والتخيّلات، فالسير إلى الله مع وجود هذه الأشياء غير ممكن، إذ لا وجود للوهم والقيد والتعيّن والكثرة في الله، بل إنَّ ذلك العالَم هو عالَم الإطلاق، والمحبّة، والعشق، والرحمة، والتوحيد، والوحدة، فجميع الأشياء هناك شيءٌ واحد ولها الشكل نفسه، وهي فانية في ذلك الوجود البحت والبسيط وذلك الوجود الصرف والمطلق. أمّا نحن، فنريد أن نذهب إلى هناك ونحن مقيّدون بألف قيدٍ!! لا فائدة تُرجى مِن مثل هذه الحركة يا هذا .. فنحن نريد أن نذهب آخذين معنا شهواتنا، وكثراتنا، وبخلنا، وحقدًا نحمله في قلوبنا، وما أدراك ما الحقد! حقدنا على فلان وحقدنا على فلان .. نريد أن نذهب وفي قلوبنا كدورة على إخوتنا في الإيمان!! ما معنى أن يكون في قلب السالك كدورة تجاه أخٍ له في الإيمان؟!
إفراغ وتصفية القلب شرط السلوك وأدب الطريق
عندما يريد الإنسان أن يكبّر [تكبيرة الإحرام] وهو على تلك الحالة مِنَ الكدورة، سيقول له الله: كيف تتوجّه إليَّ وبالك مشغول بألف فكرٍ، وألف مشكلةٍ؟! لو أنَّ أحدًا اتّصل مسبقًا بك وطلب منك موعدًا للمقابلة، ثمّ جاء إلى بيتك وجلس بجانبك، فرأيت أنَّه جالس إلى جانبك وباله مشغول بأمرٍ آخر، ألن يُثيرك هذا التصرّف ويُزعجك؟ ألن تقول في نفسك: ها أنا مُقبل عليك وأتكلّم معك، والحال أنّك تفكّر بأمرٍ آخر!؟ فلماذا استأذنت للحضور والحال هذه؟! لقد كان عليك أن تحضر وقد فرّغت بالك مِن كلّ شيءٍ آخر، وبدون أن تشغلك أيّة مشكلة.
