
مرتبتان مِن مراتب ستّارية الله: التغاضي عن الذنب ومحوه
وشرح (أنفاسُکم فيهِ تَسبيحٌ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)
قدّم سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله نفسه) كشفًا مبسّطًا عن مرتبتين مِن مراتب ستّارية الله؛ مُبيّنًا عجائب هذا الإله الّذي يتودّد إلى عبده وهو غاضُّ الطرف عن ذنوبه، وراسمًا صورةً واقعيّةً عن هذا الإله الّذي يشتاق إلى عبده ويمحي ذنبه رغم إدباره عنه. فالمرتبة الأولى مِن ستّارية الله هي غض الطرف عن الذنب، والمرتبة الثانية هي محو الذنب، على أنّ الثانية أعلى مِنَ الأولى. فعلى الإنسان الامتثال لهما والتمثُّل بهما ليتحرّك نحو التجرّد، وإلّا توقف. فوضّح سماحته كلا المرتبتين بجملةِ أمورٍ تُعدّ مِن أركان السلوك.
مرتبتان مِن مراتب ستّارية الله: التغاضي عن الذنب ومحوه
3بعض الخصال الّتي توجب توقف السالك وحركته
وقلتُ حينها أنَّ هذا الموضوع يُعَدّ ركنًا أساسيًّا في حركة السالك وسيره إلى الله؛ فلولا هذه الستّارية لَما تمكّن الإنسان مِنَ التقدّم خطوةً واحدة إلى الأمام. فلو أنَّ الإنسان عمّر ألفَ سنةٍ كنوح عليه السلام، ساهرًا ليله إلى الصباح، صائمًا نهاره، متحمّلًا الجوع والعطش الشديدين وأنواع المشقّات، غير أنَّه يتّصف بصفة التجسّس على أعمال الآخرين، ويحاول أن يعرف ما الّذي قام به فلان وما الّذي قام به فلان، فيُنشئ لهم ملفات ودفاتر ملاحظات يكتب فيها: فعل فلان كذا، ويعزّزه بذكر تأريخ الحادثة، ثمّ يحتفظ بها لكي يكشفها في الوقت المناسب .. نعم، مَن يدأب على تتبّع أعمال الآخرين، ويحتفظ بملفٍ يتضمّن ما يقوله هذا وذاك ليقوم باستغلاله في مناسبةٍ ما، فهكذا رجل سيبقى متوقّفًا في الدرجة نفسها وفي الأفق نفسه الّذي هو فيه إلى الأبد، ولن يتكامل ولو بمقدار شعرة؛ فهو مع أنّه يصلّي ويصوم ويحجّ ويقوم بأعمال أخرى، إلّا أنّه لا يتقدّم ولا يبرح المكان الّذي هو فيه .. لماذا لا يتحرّك ولا يتقدّم؟ لأنّه في وضع يتناقض مع الحركة والتقدّم، فمَثَله في ذلك كمَثَلِ سيّارة تمّ ربط مؤخرّتها بسلسلة إلى عمودٍ، وصاحبها يضغط على دوّاسة الوقود ويريد أن يتقدّم بها إلى الأمام؛ فلو أنَّه استمرّ على عمله هذا مدّة مئة سنة، لَما تحرّكت السيّارة مِن مكانها، ولَما استفاد، كما أنّ وقود السيارة سينفد، فذلك العمود وذلك المانع مِن الحركة موجود وهو يناقض التحرّك تمامًا؛ فلا بدّ مِن أن تتوفّر مستلزمات الحركة لكي تتمكّن السيّارة مِنَ السير، ومِن هذه المستلزمات: أن تكون السيّارة صالحة للعمل، وأن يكون الطريق الّذي تسير عليه مستويًا، وأن لا يكون في طريقها ما يعيق حركتها. فالمهمّ بالنسبة لهذه السيّارة الآن هو وجود ذاك المانع خلفها الّذي يمنع حركتها.
إنَّ هذه الحالة هي واحدة مِن أسوء الحالات الّتي تحصل للإنسان في حياته، فهي تجعل الإنسان يتوقّف في نفس المرتبة الّتي هو فيها .. وقد قلتُ لكم أنَّه حتّى إن عمّر عمُر النبيّ نوحٍ، لَما تمكّن مِنَ الحركة إلى الأمام ولو بمقدار سنتيمترٍ واحد، ولَما تمكّن أن يبرح مكانه.
