
مرتبتان مِن مراتب ستّارية الله: التغاضي عن الذنب ومحوه
وشرح (أنفاسُکم فيهِ تَسبيحٌ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)
قدّم سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله نفسه) كشفًا مبسّطًا عن مرتبتين مِن مراتب ستّارية الله؛ مُبيّنًا عجائب هذا الإله الّذي يتودّد إلى عبده وهو غاضُّ الطرف عن ذنوبه، وراسمًا صورةً واقعيّةً عن هذا الإله الّذي يشتاق إلى عبده ويمحي ذنبه رغم إدباره عنه. فالمرتبة الأولى مِن ستّارية الله هي غض الطرف عن الذنب، والمرتبة الثانية هي محو الذنب، على أنّ الثانية أعلى مِنَ الأولى. فعلى الإنسان الامتثال لهما والتمثُّل بهما ليتحرّك نحو التجرّد، وإلّا توقف. فوضّح سماحته كلا المرتبتين بجملةِ أمورٍ تُعدّ مِن أركان السلوك.
مرتبتان مِن مراتب ستّارية الله: التغاضي عن الذنب ومحوه
2أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم
بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد
وعلى آله الطيبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
لو كنتُ خائفًا مِن تعجيل العقوبة، لَما ارتكبتُ الذنوب؛ كما أنّ عدم خوفي هذا ليس بسبب قصور إشرافك ونقص اطّلاعك على أعمالنا؛ فلا مجال للكلام عن هكذا أمر أصلًا، وهو أن لا تكون مطّلعًا ومشرفًا! أو أن يكون اطّلاعك قاصرًا وإشرافك ناقصًا! ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾۱، فلا يأخذ اللهَ نومٌ ولا غفوة، هو حاضر وشاهد علينا دائمًا في جميع الأحوال، فـ ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ﴾٢، ما مِن ثلاثةٍ يتناجون بأمرٍ ما في أيّة زاوية مِن زوايا العالَم، إلّا هو رابعهم، وهو بالنسبة إلى الإنسان ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَريدِ﴾٣، إنَّ حبل الوريد هو ذلك العِرق الّذي يوصل الدم إلى الدماغ، فإن انقطع هذا العرق وانقطع وصول الدم إلى الدماغ لثانية واحدة، لسقط الإنسان فورًا على الأرض مغشيًّا عليه؛ فالله أقرب إلى الإنسان مِن حبل الوريد.
إذن فعدم خوفي هذا ليس بسبب عدم اطّلاع الله، وليس ناشئًا عن اعتقادي بأنّ الله مشغولٌ بأمور أخرى بحيث تجعله غير مطّلع على أعمالي وبالتالي سيتركني وشأني دون أن يكون له شغل بي! كلّا، بل لأنَّك [يا إلهي] في عين امتلاكك لأعلى درجات الرقابة والاطّلاع، فإنّك خير الساترين في مقام الستر، وأحكم الحاكمين والمحاسبين في مقام المحاسبة، فأنت الأكثر دقّة وواقعيّة، وأنت عين الحقيقة؛ وفي مقام الكرم والشهامة والنُّبل، تُعامِل عبادك بأعلى درجات الكرم والشهامة .. هذه الصفات الثلاث هي الّتي جعلتني لا أهتمّ – كما ينبغي – بارتكاب المعاصي، وأن لا أخاف كما يجب، وأن لا أراقب المراقبة المطلوبة .. هذه هي الصفات الّتي أعرفك بها يا ربّ.
المرتبة الأولى مِنَ ستّارية الله؛ التغاضي عن الذنوب
تحدّثتُ مع الإخوة والأصدقاء عن موضوع ستّارية الله، وقلتُ: إنّ الله يغطّي الذنب ويستره، وأنّ هذه المرحلة هي المرتبة الأولى مِن مراتب الستر، أي أنَّه يتغاضى عن الذنب –بحسب ما نصطلح عليه في كلامنا – ويغضّ طرفه عمّا يصدر مِن أعمال عباده.
- سورة البقرة (٢)، جزء مِنَ الآية ٢٥٥.
- سورة المجادلة (٥۸)، جزء مِنَ الآية ۷.
- سورة ق (٥۰)، جزء مِنَ الآية ۱٦.
