
مرتبتان مِن مراتب ستّارية الله: التغاضي عن الذنب ومحوه
وشرح (أنفاسُکم فيهِ تَسبيحٌ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)
قدّم سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله نفسه) كشفًا مبسّطًا عن مرتبتين مِن مراتب ستّارية الله؛ مُبيّنًا عجائب هذا الإله الّذي يتودّد إلى عبده وهو غاضُّ الطرف عن ذنوبه، وراسمًا صورةً واقعيّةً عن هذا الإله الّذي يشتاق إلى عبده ويمحي ذنبه رغم إدباره عنه. فالمرتبة الأولى مِن ستّارية الله هي غض الطرف عن الذنب، والمرتبة الثانية هي محو الذنب، على أنّ الثانية أعلى مِنَ الأولى. فعلى الإنسان الامتثال لهما والتمثُّل بهما ليتحرّك نحو التجرّد، وإلّا توقف. فوضّح سماحته كلا المرتبتين بجملةِ أمورٍ تُعدّ مِن أركان السلوك.
مرتبتان مِن مراتب ستّارية الله: التغاضي عن الذنب ومحوه
12إن كان الله قاصم الجبّارين، فهو خير الساترين أيضًا، فهو لا يتّصف بإحداها دون الأخرى. وإن كان الله قاهرًا، فهو رؤوف في الوقت نفسه. وإن كان مبيد الظالمين، فهو الرحمن الرحيم أيضًا .. فلا ينبغي لنا أن ننتخب صفة دون أخرى نصف الله بها، ولا ينبغي أن نصفه للناس وفقًا لميولنا الشخصيّة، فما يتمّ تعريفه للناس في هذه الحالة هو الله الّذي يتلاءم مع ميولنا الشخصيّة لا الله الواقعيّ، والنبيّ الّذي يتلاءم مع ميولنا، والشريعة الّتي تتلاءم مع ميولنا، لا تلك الشريعة الواقعيّة، ولا ذلك الدين الواقعيّ والحقيقيّ.
إن جلستم لمدّة ساعة تشرحون عبارة الإمام السجّاد هذه۱ للشباب وعامّة الناس، الّذين لم تصلهم المعارف والحقائق كما ينبغي، فما الّذي سيقولونه؟ ما الّذي كانوا سيقولونه حقًّا؟ أما كانوا سيقولون: إن كان الله كما تصفون، فسنكون خُدّامًا وعبيدًا له، وسنكون مِنَ المحبّين المطيعين له .. وها نحن نقول لهم: نُقسم بذات الله إنّه كذلك، فالله ساتر الذنوب، وهو ليس بساتر فقط، بل يمحي أعمالك وذنوبك بالشكل الّذي لا يمكنك – حتّى أنت – أن تطّلع عليها بعد ذلك .. لهذا الحدّ إلهنا جيّد، ولهذا الحدّ إلهنا عجيب، فهو واقعًا عجيب!
ماذا أفعل لقد تعبت! إنّي أحب أن أبين المطالب أكثر مِن هذا، ولكنّني أشعر بالتعب، وعلَيَّ ألّا أتجاوز الخطّ الأحمر المرسوم لي .. إنّ الأمر لعجيبٌ حقًّا، وسنطّلع على مقدار منه في هذه الدنيا، وما تبقّى منه نطّلع عليه عندما نعبر إلى الجانب الآخر، حيث سنرى أيّ نظام حاكم هناك.
نقل لي أحد أصدقائي، الّذي لا يزال على قيد الحياة، وهو شخص تقيٌّ، أسال الله أن يحفظه، نقل هذه الحكاية قائلًا: التقيتُ بأحد أصدقائي في سفري إلى أحد البلدان الأجنبيّة لأداء مهمّةٍ ما، فقال لي: جاء إلى هذا البلد أحد المواطنين الإيرانيّين فخرج عن الإسلام واعتنق الدين المسيحيّ، فهل تسمح بأن أدعوه لتتحدّث معه. فجاء الرجل وقلت له: ما الّذي جعلك تخرج عن الدين الإسلاميّ وتعتنق غيره؟ على أنَّ اعتناقه للمسيحيّة جاء لمجرّد سدّ الفراغ الحاصل .. فبدأ الرجل بسرد الأسباب – تلك الأسباب الّتي لا بدّ أنّ الجميع قد سمع عنها شيئًا – قائلًا: بما أنَّ الإسلام بهذا الشكل، فأنا لا أريده، ما الّذي سأفعله إن كنت لا أرغب فيه .. قلتُ له: لا شأن لي بهذه الأمور الّتي تُطرح، وبما يقوله هذا وذاك، وبالصورة الّتي رسمها الآخرون لك عن الإسلام، فلا شأن لي بكلّ ذلك، بل دعنا نتحرّى أصل الموضوع ونتحدّث عن الله نفسه، دعني أنقل لك جملة واحدة فقط، وهي عبارة عن حديث قدسيّ، أي إنّه كلام الله نفسه – إذ ما ينزل على قلب الرسول مِنَ ناحية الله هو إمّا على هيئة وحيٍ قرآنيٍّ أو حديثٍ قدسيٍّ – فهذا الحديث عبارة عن حديث قدسيّ، يقول فيه، ولعلّ عبارته الدقيقة هي التالي «لَو عَلِمَ المُدبِرونَ عَنّي، كيف اشتياقي بِهِم وشَوقي إلى رُؤيَتِهِم لَماتوا شَوقًا»٢، أي لو علم أولئك، الّذين يديرون ظهورهم لي وينصرفون عنِّي، مقدار اشتياقي للقائهم، لذابوا وماتوا مِن شدّة الشوق، ولكنّهم لا يعلمون ذلك. يقول الرجل: ما إن قرأتُ عليه هذا الحديث حتّى أطرق رأسه إلى الأرض، ثمّ قال: أهذا كلام الله حقًّا؟ قلتُ له: نعم، وهو موجود في مصادرنا. فقال: إن كان الله على هذا النحو، فها قد عدتُ إلى الإسلام، وها أنا أعترف بما ارتكبته مِن خطأ وأتوب عنه. فعاد الرجل إلى الإسلام مِن جديد.
- يشير سماحته إلى الفقرة مورد البحث هنا مِن دعاء أبي حمزة الثمالي «وَلَو خِفتُ تَعجِيلَ العُقُوبَةِ لاجْتَنَبْتُهُ، لا لِأَنَّکَ أَهوَنُ النَّاظِرِينَ وَأَخَفُّ المُطَّلِعِينَ؛ بَل لِأَنَّکَ يا رَبِّ خَيرُ السَّاتِرِينَ وَأَحکَمُ الحاکِمِينَ وَأَکرَمُ الأَکرَمِينَ». (م)
- جاء في كتاب المراقبات (أعمال السنّة) للشيخ الميرزا جواد الملكي التبريزيّ: لو علِم المدبرون عنّي كيف انتظاري بهم، وشوقي إلى توبتهم، لماتوا شوقًا إليّ، [و] لتفرّقت أوصالهم. [المترجم]
