
مرتبتان مِن مراتب ستّارية الله: التغاضي عن الذنب ومحوه
وشرح (أنفاسُکم فيهِ تَسبيحٌ ونَومُکم فيهِ عِبادَة)
قدّم سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله نفسه) كشفًا مبسّطًا عن مرتبتين مِن مراتب ستّارية الله؛ مُبيّنًا عجائب هذا الإله الّذي يتودّد إلى عبده وهو غاضُّ الطرف عن ذنوبه، وراسمًا صورةً واقعيّةً عن هذا الإله الّذي يشتاق إلى عبده ويمحي ذنبه رغم إدباره عنه. فالمرتبة الأولى مِن ستّارية الله هي غض الطرف عن الذنب، والمرتبة الثانية هي محو الذنب، على أنّ الثانية أعلى مِنَ الأولى. فعلى الإنسان الامتثال لهما والتمثُّل بهما ليتحرّك نحو التجرّد، وإلّا توقف. فوضّح سماحته كلا المرتبتين بجملةِ أمورٍ تُعدّ مِن أركان السلوك.
مرتبتان مِن مراتب ستّارية الله: التغاضي عن الذنب ومحوه
الوصف:
قدّم سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله نفسه) كشفًا مبسّطًا عن مرتبتين مِن مراتب ستّارية الله؛ مُبيّنًا عجائب هذا الإله الّذي يتودّد إلى عبده وهو غاضُّ الطرف عن ذنوبه، وراسمًا صورةً واقعيّةً عن هذا الإله الّذي يشتاق إلى عبده ويمحي ذنبه رغم إدباره عنه. فالمرتبة الأولى مِن ستّارية الله هي غض الطرف عن الذنب، والمرتبة الثانية هي محو الذنب، على أنّ الثانية أعلى مِنَ الأولى. فعلى الإنسان الامتثال لهما والتمثُّل بهما ليتحرّك نحو التجرّد، وإلّا توقف. فوضّح سماحته كلا المرتبتين بجملةِ أمورٍ تُعدّ مِن أركان السلوك.
مرتبتان مِن مراتب ستّارية الله: التغاضي عن الذنب ومحوه
7إنَّك عندما تقف للصلاة وتكبّر قائلًا (الله أكبر)، يجب أن يكون هذا التكبير مِن نوع التكبير الّذي يقطع النفْس عن تعلّقاتها ويجعلها تتجاوز الكثرات. نعم إن [مجرّد ترديد ألفاظ] الله أكبر مرّة، والحمد مرّة، وسبحان ربّي العظيم مرّة، وسبحان ربّي الأعلى مرّة، يرفع ظاهر التكليف، ولكن الصلاة لا تنقضي بهذا الحدّ، فهل يصلّي الإنسان مِن أجل أن يسقط وجوب القضاء فقط؟! مِثل هذه الصلاة لن يكون لها أثر، ولن تتجاوز هذا السقف، فهل على المرء أن يصلّي هكذا صلاة أم عليه أن يصلّي صلاة حقيقتها الاتّصال بالحبيب، ولا علاقة لها بالقضاء، فأيّ الصلاتين أفضل؟ وأيّهما تعمل على ارتقاء الإنسان وحركته؟
هذا فيما يتعلّق بالصلاة، وكذلك الأمر في غيرها مِنَ التكاليف، كالصيام وبقيّة العبادات، بل حتّى النَّفَس، نفْس النَّفَس في شهر رمضان، ألم نقرأ في الروايات: «أنفاسُکم فيهِ تَسبيحٌ ونَومُکم فيهِ عِبادَة»۱، نعم، إنّ هذا الكلام هو كلام رسول الله .. التفتوا «أنفاسكم فيه» أي في شهر رمضان «تسبيح»، وهذا يعني أن شهر رمضان هو شهر بمجرّد أن تكون فيه فأنت تسير وتتقدّم شئت أم أبيت؛ نعم، هذا ما يترتّب على وجودك في هكذا جوّ وفضاء، فهذه النتيجة تحصل حتّى مِن دون الإتيان بصلاةٍ، فمجرّد التنفّس عبادة، ومِنَ المعلوم أنَّ التنفّس لا يتضمّن أيّ نوعٍ مِنَ الذِّكر.
«ونَومُکم فيهِ عِبادَة»، هل تعتقدون أنَّ العبادة هي فقط الركوع والقيام، أو أنَّها ليست إلّا السجود والإتيان بالأذكار والأوراد، أو أنّها الجلوس والإتيان بالذِّكر؟! كلّا، إنَّ العبادة هي ذلك العمل الّذي يُخرج الإنسان مِن عالَم الكثرة ويُدخله في عالَم الوحدة والتجرّد، مهما كان ذلك العمل؛ سواء كان درسًا فهو عبادة، أو مساعدة مَن هو تحت مسؤوليّتك وفي عهدتك فهو عبادة، أو مساعدةَ الوالدين فهو عبادة، فكلّ ذلك عبادة، وكذا فيما يتعلّق بإرضاء ذوي الحقوق وإصلاح ذات البين، فجميع هذه الأعمال هي مِنَ العبادات، بل هي أعلى بكثير مِن تلك الأعمال الّتي نؤدِّيها على أنَّها مِنَ العبادات، نعم، إنَّها أعلى بكثيرٍ منها.
يقول رسول الله «أنفاسكم فيه تسبيح»، فذلك النَّفَس الّذي تستنشقه في هذا الشهر [أي شهر رمضان] هو تسبيح لله. ولكن ما هي شروط ذلك؟ إنَّ ذلك يحصل عندما يترك الصيام هذا الأثر عليك، وهو أن يقوم الصيام بإخراجك مِن عالَم الكثرة وإدخالك في جوّ الصيام. ألا يحصل لنا مثل هذا الشيء في شهر رمضان؟ ألا تشعرون بالانبساط والسرور فيه؟ ألا تحسّون بالفرق بينه وبين غيره مِنَ الأشهر؟ ها قد انتهى شهر رمضان، فهنيئًا لمَن شملهم التوفيق واستطاعوا أن يستفيدوا فائدةً واقعيّةً منه. أمّا أنا، فلم يشملني هذا التوفيق وقد حُرمت منه، وذلك إلى أن يشاء الله أمرًا، فها هي حسرة انقضاء هذا الشهر وعدم توفّقي لصيامه تكتنفني٢.
- الأمالي للشيخ الصدوق، ص ٩٣. (م)
- مِنَ الجدير ذكره، أنّ سماحته كان مبتلًا لفترات طويلة بمرض يمنعه شرعًا مِنَ الصيام. (م)
