
نظرة المذنب إلى نفسه
تتناول هذه المحاضرة النقاط التالية: 1. كيفيّة قراءة الأدعيّة والقرآن وشعر العظماء وضرورة التمهّل والتمعّن فيها. 2. شرح فقرة ولو خفت تعجيل العقوبة لاتجتنبته...لأنك خير الساترين مقدّمة مفتاحًا من مفاتيح السير والسلوك وهو هوان النفس وتقبّلها لمسألة وقوعها في الخطأ ومعالجة ذلك بالتوبة والندم. 3. الانعكاسات الفقهيّة لصفة ستّاريّة الله تعالى في مجالي إقامة الحدود والتجسّس حيث تقدّم إثارة فقهيّة حول تعلّق الحدود بذمّة المذنب في مقام الإثبات لا الثبوت مستشهدة بسيرة أمير المؤمنين عليه السلام. كما تبيّن خطورة التجسّس على عيوب المؤمنين وحفظها وهتكها الأمر الذي يعرّض من يقوم به إلى فضيحة الله له.
نظرة المذنب إلى نفسه
9وفي يوم من الأيّام، كان منهمكًا في الحديث في أحد المجالس، حيث كان له مجموعة من التلامذة، وكان بعضهم من التلامذة الأقوياء؛ فجاء أحد الناس الذين يتّصفون بالصلافة، وقعد في المجلس برفقة بعض أصدقائه؛ فما إن بدأ المرحوم الآخونذ في الكلام، حتّى شرع ذلك الرجل في تقليده ومحاكاته، ممّا أثار ضحك أصدقائه؛ والظاهر أنّ هؤلاء أتوا إلى المجلس لأجل هذه الأمور من الأساس. فلمّا انقضت مدّة يسيرة من الزمان، انتاب الغضب أحد تلامذة الشيخ، فالتفت إلى ذلك الشخص، وقال له: ابق هكذا حتّى...! فبقي ذاك الشخص على تلك الحالة [معوجّ الفم]، بل وبعشرة درجات أشدّ؛ ومجمل القول أنّه بقي هكذا على تلك الصورة العجيبة؛ وفجأة، التفت المرحوم الشيخ إلى ذلك التلميذ وقال له: ما هذه الأفعال التي تقوم بها؟! فما إن قال ذلك حتّى رجع ذلك الشخص إلى صورته الطبيعيّة الأولى.
وحينئذ، لو أنّ الله تعالى يُعجّل العقوبة للإنسان بهذا النحو، إلى ماذا ستؤول الأمور؟ سوف لن يرتكب أحد عملاً مخالفًا، اللهمّ إلاّ أن يكون أحمق، فيوفّيه الله تعالى حسابه حتّى قبل أن يخرج من المجلس؛ فكلّ من يكذب من باب المثال ينعقد لسانه عن الكلام في اللحظة ذاتها، وينتهي أمره، ونقرأ عليه سورة الفاتحة، والله وحده يعلم متى ينحلّ لسانه، أو أنّ كلّ من ينظر إلى مَحرم ـ من باب المثال ـ يعمى بصره؛ إذ المفروض أنّ الله تعالى يُعجّل العقوبة، أو أنّ كلّ من يريد أن يعتدي بيده على مظلوم من دون حقّ، فإنّ يده تتيبّس في تلك اللحظة؛ ففي هذه الحالة، لن يُقدم أيّ أحد على ارتكاب المعصية، ولن يوجد بعد ذلك أيّ كذب، ولا عمل محرّم، ولا ظلم. لن يوجد أيّ شيء من ذلك! أو أنّ كلّ من يعمد إلى سرقة الأموال، يظهر فجأةً رقمٌ على جبينه يُشير إلى أنّ: «هذا السيّد سرق الآن مائة مليون من البنك»، ويوضع أيضًا عليها اسم البنك ـ مثلاً بنك الصادرات الفرع الفلاني ـ فلا يستطيع إخفاء ذلك، وأينما ذهب، يُشيرون إليه أن: انظروا إلى هذا السارق، لقد نهب اليوم مائة مليون! وتُعيّن ساعة السرقة ودقيقتها؛ وأمّا إذا كان المبلغ المسروق هو مليار مثلاً، فإنّه يُكتب بالخطّ العريض؛ وهكذا لو وصل هذا المبلغ إلى عدّة آلاف من المليارات، فإنّ الأرقام ستملأ جبينه في هذه الحالة، ولن نعلم ما الذي سيحصل! وأظنّ بأنّ الله تعالى لن يقدر على فعل أيّ شيء بالنسبة لهذا الإنسان!! ولعلّه عندما تتجاوز المسألة حدًّا معيّنًا، فإنّ ذلك سيكون خارجًا عن قدرة الحقّ تعالى!!!!۱
- يذكر السيّد هذا الأمر من باب المزاح، وللكناية عن المستوى العالي جدًّا الذي تبلغه بعض السرقات والجنايات. المترجم
