
نظرة المذنب إلى نفسه
تتناول هذه المحاضرة النقاط التالية: 1. كيفيّة قراءة الأدعيّة والقرآن وشعر العظماء وضرورة التمهّل والتمعّن فيها. 2. شرح فقرة ولو خفت تعجيل العقوبة لاتجتنبته...لأنك خير الساترين مقدّمة مفتاحًا من مفاتيح السير والسلوك وهو هوان النفس وتقبّلها لمسألة وقوعها في الخطأ ومعالجة ذلك بالتوبة والندم. 3. الانعكاسات الفقهيّة لصفة ستّاريّة الله تعالى في مجالي إقامة الحدود والتجسّس حيث تقدّم إثارة فقهيّة حول تعلّق الحدود بذمّة المذنب في مقام الإثبات لا الثبوت مستشهدة بسيرة أمير المؤمنين عليه السلام. كما تبيّن خطورة التجسّس على عيوب المؤمنين وحفظها وهتكها الأمر الذي يعرّض من يقوم به إلى فضيحة الله له.
نظرة المذنب إلى نفسه
11لقد كان أمير المؤمنين جالسًا فجاءته امرأة فقالت له: يا علي طهّرني.
فقال لها: وما الذي صنعتي؟
قالت: لقد أثمت [زنيت].
فقال لها: اذهبي لشأنك، يبدوا أنك قد جننتِ أو أنك لا تعنين ما تقولين، ما الذي تتفوّهين به؟ فتعجبتْ تلك المرأة من ذلك.۱
فهي تقول بأنني قد أخطأت ـ وهي طبعًا لا تقول ذلك إلا خوفًا من عذاب الآخرة ـ ويقول لها: ما هذا الكلام الذي تتفوّهين به، يبدو أنك لا تعنين ما تقولين!
لو كنّا نحن مكانه عليه السلام فما الذي كنّا سنفعله؟ كنّا سنقول: حسنًا إذن، اجلسي واحكي لي ما الذي فعلتيه؟ وكيف حدث الأمر؟ ونجعلها تُقرّ بالأمر مرّة واثنتان وثلاث وأربع، فنثبت عليها الحكم ثم نقيّدها ونأخذها ونقيم عليها حدّ الرجم.
إنّ أمير المؤمنين عليه السلام يعلم بأنّ ما يوجب العقوبة ليس هو نفس فعل الخطأ، وهو يعلم أيضًا بأنّ نفس حالها هذه التي هي عليها هي توبة لها، وسيسامحها الله و يتجاوز عنها.
إثارة فقهيّة حول تعلّق الحدّ في مقام الثبوت أم الإثبات وارتباط ذلك بصفة ستاريّة الله
هذه المسألة تستحقّ البحث أيضًا من الناحية الفقهيّة؛ فهل العقوبة التي تلزم المذنب تتعلّق به في مقام الثبوت أم في مقام الإثبات؟ فما هو معروف ومصطلح عليه بين الفقهاء هو أنّ العقوبة والحدّ يتعلّقان بمقام الثبوت، ولكن غاية الأمر أنّه لا بدّ من إثبات الذنب حتى تنفّذ العقوبة في الخارج؛ ولكن أصل الحدّ يتعلّق بمقام الثبوت لا بمقام الإثبات [حسب قول العلماء]؛ ولهذا لو أنّ إنسانًا ارتكب ذنبًا كشرب الخمر مثلاً فإنّ الحدّ يثبت عليه، غاية الأمر متى يصل إلى منصّة الظهور ويُقام عليه [فهذه مسألة أخرى]، فهو يستحقّ إقامة الحدّ عليه [حتّى وإن لم يثبت أنّه قد ارتكب الذنب]، وكذلك إن لم يُقم عليه الحدّ في هذه الدنيا فإنّه سيحاسب ويعاقب في الحياة الأخرى.
وأمّا ما توصّل إليه نظر الحقير ـ وقد كان لي مع المرحوم العلامة الطهراني مباحثات حول هذه المسألة ـ فهو أن الحدّ يتعلق بمقام الإثبات لا بمقام الثبوت، يعني لو أن إنسانًا فعل ذنبًا يستوجب الحدّ، وتاب قبل أن يتمّ إثبات الأمر في المحكمة، واقعًا تاب، فلا يترتّب عليه حدّ، وسيرة الأئمّة عليهم السلام وخصوصًا أمير المؤمنين عليه السلام في زمان خلافته تثبت ذلك، فقد كان عليه السلام يمتنع عن إجراء الحدّ ما وجد إلى ذلك سبيلاً، ولم يكن يسمح للخطأ أن يصل إلى مرحلة الإثبات، وعندما كان يصل إلى هذه المرحلة كان يقول: لا مجال بعد الآن! ولا بدّ من إجراء الحدّ! والمسائل والقضايا التي نقلت في هذا المجال عن أمير المؤمنين عليه السلام تحكي عن هذه الحقيقة، وهذه المسألة هي عين مسألة ستّاريّة الله، فهي عينها، فهذه المسألة الفقهيّة والتخصّصيّة هي عين هذه الصفة، وأنّه هل يقتضي مقام ستّاريّة الله أن يُخفى هذا لحدّ؟ أم أن يُحيا ويُقام ويُنشر خبره؟ ما نراه هو أنّها لا تقتضي هذا الأخير، بل مقام الستّاريّة يستر ولا يسمح للذنب أن يصل إلى مرحلة الإثبات، لأنّه بعد الإثبات سيترتّب الحدّ.
- انظر في هذا المجال: السرائر، ابن إدريس الحلّي، ج٣، ص ٤٥٤: قضية أمير المؤمنين عليه السلام في المرأة التي جاءت إليه بالكوفة، فقالت له يا أمير المؤمنين طهرني فإني زنيت وأنا محصنة، ثم أقرت أربع مرات في أربع دفعات، فقال لها امضي فارضعي ولدك، فإذا استغنى عنك فأنا أقيم الحد عليك.
وسائل الشيعة (طبعة آل البيت) ج٢۸، ص ٣۸ باب أن من تاب قبل أن يؤخذ سقط عنه الحد، واستحباب اختيار التوبة على الإقرار عند الإمام: ومما ورد فيه: أتى رجل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقال: يا أمير المؤمنين، إني زنيت فطهرني فاعرض عنه بوجهه، ثم قال له: اجلس، فقال: أيعجز أحدكم إذا قارف هذه السيئة أن يستر على نفسه كما ستر الله عليه، فقام الرجل، فقال: يا أمير المؤمنين إني زنيت فطهرني، فقال: وما دعاك إلى ما قلت؟ قال: طلب الطهارة، قال: وأي طهارة أفضل من التوبة، ثم أقبل على أصحابه يحدثهم، فقام الرجل فقال: يا أمير المؤمنين إني زنيت فطهرني، فقال له: أتقرء شيئا من القرآن؟ قال: نعم، قال: اقرأ، فقرأ، فأصاب، فقال له: أتعرف ما يلزمك من حقوق الله في صلاتك وزكاتك؟ قال: نعم فسأله فأصاب، فقال له: هل بك مرض يعروك أو تجد وجعا في رأسك ( أو بدنك )؟ قال: لا، قال: اذهب حتى نسأل عنك في السر كما سألناك في العلانية، فإن لم تعد إلينا لم نطلبك. (الحديث).
- انظر في هذا المجال: السرائر، ابن إدريس الحلّي، ج٣، ص ٤٥٤: قضية أمير المؤمنين عليه السلام في المرأة التي جاءت إليه بالكوفة، فقالت له يا أمير المؤمنين طهرني فإني زنيت وأنا محصنة، ثم أقرت أربع مرات في أربع دفعات، فقال لها امضي فارضعي ولدك، فإذا استغنى عنك فأنا أقيم الحد عليك.
