
الاعتراف بالخطأ وأثره في السير والسلوك
استمرارًا في شرح فقرة ولو خفت تعجيل العقوبة... من دعاء أبي حمزة بيّن سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني قدس سره أهميّة الخطأ في السير والسلوك إذا تبعه اعتراف وذل، فهو منبّه على العبوديّة، ووسيلة لإظهار كرم الله تعالى، أمّا من يرى نفسه فوق أن يخطئ فسيبقى يدور في حلقة مفرغة ويستدرج بمكر الله حتّى يختم الله على قلبه. وتضمّنت هذه المحاضرة الحديث عن الموضوعات التالية: الفارق بين المعصوم وغيره في كيفيّة القيام بالعمل. ضرورة التفكير في جوانب العمل قبل الاستخارة. حدود الإمهال الإلهيّ وضرورة الحذر من الاستدراج. الاشتباه جزء من برنامج السير والسلوك إذا تبعه اعتراف. طريقة الأمل في التعامل مع الله.
الاعتراف بالخطأ وأثره في السير والسلوك
4حدود الإمهال الإلهيّ وضرورة الحذر من الاستدراج
حسناً، الإمام السجاد عليه السلام يقول: لست بالذي لا يخاف من العقوبة، بل في الواقع أنا أخاف كثيراً! غاية الأمر يقول بأنّي إنّما أرتكب الخطأ؛ لأنّي أعلم بأنّك لا تعجّل عليّ العقوبة، بل أنت تعطي المهلة، أنت تمهلني يومًا أو يومين أو ثلاثة أيام أو شهرًا أو سنةً أو سنتين أو ثلاثة أو عشر سنوات، تمهلني وتعطيني فرصة.
وهذا الفعل الذي قمت به ـ وهذه مسألة دقيقة ومهمّة أيها الإخوة ـ هذا الخطأ الذي صدر منّي الآن قد كدّر عليّ جزءًا من وجودي لا تمامه؛ بنسبة اثنين في المائة، والحال أنّ الله تعالى لا يعذّب لأجل هذه النسبة من التكدّر، بل ينتظر إلى أن تصل إلى مائة في المائة.. و غداً عندما تذنب بمقدار اثنين في المائة أيضًا يصير لديك أربعة في المائة، ولا يزال هناك ستّة وتسعون في المائة، وبعد غدٍ، وبعد أسبوع وبعد أسبوعين تزيد شيئاً فشيئاً.. وبدلاً من أن تتنبّه بسبب عدم التعجيل بالعقوبة، يحصل لك عكس ذلك؛ فتتوغّل أكثر في تلك الحال التي أنت عليها، وتبدأ بالتخبّط؛ فتذهب إلى هذا وإلى ذاك وتبرّر عملك لديه، وتلقي باللوم على الطرف الآخر.. وهكذا تتأخّر العقوبة، وأنت ترى أنّ المسألة طبيعيّة وأنّ شيئاً لم يحصل، وعملك مزدهر ، والناس يحترمونك ويدعونك إلى هنا وهناك، و هكذا يرسل الله لك هذه الأمور الجذابة فيلتهي بها الإنسان، .. نستجير بالله.. نسأل الله أن لا يبتلي أحداً بذلك، حتى لا يكون من مصاديق ﴿وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرين﴾۱، ويحصل له استدراج بحيث لا يمكن للإنسان أن يدرك من أين أصيب، لا يعلم ذلك أصلاً؛ إذ يحصل له بعض الأمور والمسائل الجذّابة، بل قد يحصل له بعض الأمور الجيّدة في حياته التي توجب انصرافه، لكن ﴿وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾، هكذا يكون حاله، فيقيم مجالس العزاء ويأتي الناس إليه، فهل يوجد أفضل من مجالس العزاء؟! ويقيم مجالس الفرح ويخطب هنا وهناك ويبثّ كلامه على الهواء، لكنّه في الواقع يُستدرج ويُلقى له الطُعم ليقع في الفخّ. تلك العقوبة التي ينبغي أن تحصل له، و التي كان ينبغي عليه أن يفكّر فيها ويجد لها حلاًّ، يؤخّرها الله عنه ويؤخّرها، فيأنس هو بهذا الطُعم الذي ألقي إليه لشهر، وبعد شهر يُلقى له طُعم آخر فيحصل تأخير جديد، وعندما ينتهي هذا الطُعم بعد شهرين يُلقى إليه طُعم آخر، وكذا بعد ثلاثة أشهر.. وبعد أن تنقضي سنة وسنتان وثلاث سنوات، فإذا بتلك النسبة المئويّة من الكدورة التي كانت في بداية الأمر اثنين، إذا بها قد صارت تسعين في المائة، تسعون من المائة ذهبت منه، وبقي لديه عشرة فقط! وهنا إما أنّ الله هو الذي ينجيه، أو أنّ أوضاعه تكون قد خربت للغاية. لقد خسر تسعين من المائة! وعندما تنظر إلى وجهه، تقول لماذا صار بهذا الشكل؟! فمنذ سنتين شاهدته ولم يكن كذلك! فأحياناً تقع عين الإنسان على بعض الأشخاص ويتعجّب لماذا صار شكلهم بهذا النحو؟!
- سورة آل عمران، الآية ٥٤.
