
ستاريّة الله وأولياؤه لعيوب العباد
تتضمن هذه المحاضرة: التغافل عن العيوب مظهر من مظاهر الستاريّة علم الله تعالى بعباده حضوري سبب ستر الله لعيوب عباده كونهم من آثاره ضرورة التخلّق بستر العيوب في علاقاتنا قصص وشواهد من الماضي والحاضر (تغاضي النبيّ والإمام عليّ عليهما السلام عن وحشي، تغاضي الإمام عليّ عن عمر بن العاص، تغاضي الإمام الحسين عليه السلام عمّا سيفعله جيش الحرّ...)
ستاريّة الله وأولياؤه لعيوب العباد
5علم الله بنا هل هو علم حصولي أم علم حضوري؟ وبعبارة أخرى: هل الله يفتح عينيه وينظر ويرى عبده جالسًا، وعبده الآخر يقوم بذاك العمل، وعبده الثالث يصلّي، وعبده الآخر يفعل ذاك الذنب، أو أنّه يرسل الملائكة فيبحثون في المسألة، حتى لا يأتي العبد ويخفي الحقائق ويقول له المسألة هي كذا وكذا، فالملائكة الذين يخبرونه يراعون الأمانة، ويوصلون الأخبار صحيحة، ولا يُخطئون في ذلك أبدًا...؟ بل نفس الملائكة علمهم علم حضوري، فكيف الحال بالنسبة إلى علم الله تعالى؟! فبطريق أولى علمه ليس حصوليّاً، ولا نريد الآن الدخول في هذا البحث.
إنّ الله تعالى هو مبدأ الوجود وحقيقة جميع الأشياء، ووجوده منشأ تمام الوجودات والقوالب، وعليه فاطّلاعه على المخلوقات هو اطّلاعٌ على آثار ذاته، وهذا هو العلم الحضوري. يعني عندما يعلم الله بنا ويُشرف علينا ويكون مسيطرًا علينا، لا يعني أنّنا بمرأى ومنظر منه تعالى، إذ ذاك أمر آخر، بل بمعنى أنّ اطّلاع الله على عباده هو اطّلاع على نفسه، فنفسه مطّلعة على نفسه ومحيطة بها ولديها إشراف عليها، وهو عالم بأفعال عباده وتصرّفاتهم وأقوالهم وخطوراتهم وجميع ما يصدر عنهم؛ لأنّ جميع هذه الأمور مترشّحة عن ذاته، ومن الخطأ استعمال كلمة «متولّدة عنه»، بل هي ظهور وبروز لذاك الوجود، فإنّ هذا الفاعل والعلّة الأولى والمبدأ مطّلع على أفعاله وآثاره.
مثلاً الاطّلاع الذي لديك عن حركاتك الآن، أو عن خفقان قلبك.. فأنت تعرف به جيدًا، وكذلك اطّلاعك على حركات رئتيك و معدتك ويدك ورجلك.. فأنت تعلم بتمام هذه الآثار علمًا حضوريّاً، وأما مسألة إحضارك لها [كصور ذهنية] فذاك شيء آخر، لكن نفس هذا الاطلاع نطلق عليه بأنّه علم حضوري. والله تعالى علمه من هذا القبيل، فهل يمكن أن تبقى أيّ مسألة مخفيّة عن أنظاره، مهما كانت ولو بمقدار رأس إبرة أو ذرّة؟! عندما تنظر إلى نور الشمس وترى الذرّات الموجودة في الهواء، فهذه الذرّات هي من آثار وجود الله تعالى. وهذا هو معنى الآية: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْم﴾۱، يعني أنّ الله لا يغفل عن شيء أبدًا، ولا يغفو، ولا يجهل شيئًا، ولا يُتصوّر فيه حالة عدم الالتفات والتوجّه. أمّا أنا فإذا أردت أن أتحدّث مع أحد الأصدقاء فسوف أغفل عن الصديق الآخر الذي يتحدّث في الجانب الآخر، لأن عليّ أن أوجّه وجهي إليه لأرى ماذا قال! لكنّ الله في لحظة واحدة وفي نفس الوقت وفي طرفة العين وفي نفس الثانية يكون له إشراف وإفاضة على تمام مخلوقاته ومعلولاته وعلى جميع ما في عالم الوجود؛ سواء في مراتب الغيب أم في مراتب الشهادة، وسواء في مراتب المعنى أم مراتب المادّة، في تمام مراتب الوجود. فلا تبقى أيّ مسألة من مسائل عباده مخفيّة عليه، بل يعلم بها بهذه الكيفيّة.
- سورة البقرة، من الآية ٢٥٥.
