
ستاريّة الله وأولياؤه لعيوب العباد
تتضمن هذه المحاضرة: التغافل عن العيوب مظهر من مظاهر الستاريّة علم الله تعالى بعباده حضوري سبب ستر الله لعيوب عباده كونهم من آثاره ضرورة التخلّق بستر العيوب في علاقاتنا قصص وشواهد من الماضي والحاضر (تغاضي النبيّ والإمام عليّ عليهما السلام عن وحشي، تغاضي الإمام عليّ عن عمر بن العاص، تغاضي الإمام الحسين عليه السلام عمّا سيفعله جيش الحرّ...)
ستاريّة الله وأولياؤه لعيوب العباد
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد
وعلى آله الطيّبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
«ولو خفتُ تعجيل العقوبة لاجتنبته، لا لأنّك أهونُ الناظرين وأخفّ المطّلعين، بل لأنّك يا ربّ خير الساترين وأحكم الحاكمين وأكرم الأكرمين...»
يُخاطب الإمام عليه السلام الحقّ تعالى في هذه المقطع، ويقول: يا إلهي، لو كنت أخاف من تعجيل العقوبة، لما أقدمت على ارتكاب المعصية، ولما سقطت في تلك الأخطاء والعثرات، بل لَكنتُ أكثر حذرًا، وانتباهًا، ولما تعلّقت بتلك الأمور، ولما سعيت نحو الأشياء التي تطمح إليها النفس وتُثير طمعها، فتصبح أسيرةً لها بعد ذلك، جرّاء ذلك الطمع؛ وليس هذا لأنّك في مرتبة ضعيفة جدًّا من الاطّلاع والإشراف عليّ، ولا لأنّ اطّلاعك على أعمالي ضعيف، بل لأنّني أعلم بأنّك خير الساترين.
من مظاهر ستّاريّة اللـه وأوليائه لعيوب العباد: التغافل عنها وعدم إعلانها
ففي البداية، عندما أريد أن أرتكب خطأً، أنت لا تُظهر هذا الخطأ، ولا تُفشيه للناس، ولا تنشره بينهم؛ وبعبارة أخرى: إنّك لم تضع في غرفتي ومكتبي من يتنصّت عليّ! فأنت ساتر، وحتّى عندما تطّلع عليّ ـ وأنت فعلاً مطّلع عليّ ـ فإنّك تتغافل عنّي، ولا تقول: انظروا الآن إلى عبدي هذا يعصيني!
ولا يخفى أنّ الإنسان قد يرتكب معصية في العلن، فيراه الجميع؛ وحينئذ، لا معنى للستر؛ كأن يقول أحدهم كلامًا سيّئًا وفاحشًا لآخر أمام الناس، فيسمعه الجميع؛ وهذا عمل له تبعاته وعواقبه الخاصّة؛ ولهذا يُقال إنّ الكلام متى ما خرج من فم المتكلّم فإنّه يُصبح خارجًا عن سيطرته، ويصبح المتكلّم هو الواقع تحت سيطرة الكلام؛ فما دام الإنسان مطبقًا فمَه، فإنّ كلامه يكون تحت سيطرته، لكن حينما يخرج الكلام من فمه، فإنّه يُصبح واقعًا تحت سيطرة الكلام، من دون أن يكون له أدنى تحكّم في مدى انتشاره، وفي العواقب التي تترتّب عليه؛ ولهذا، على الإنسان أن يحذر كثيرًا؛ فينبغي عليه أن لا يتحدّث بكلّ شيء كيفما كان، وعليه أن لا يفعل أيّ شيء مهما كان.
ولكن أحيانًا أخرى، قد يُقدم أحدهم على معصية، ويرتكب خطأ في السرّ، وتصدر منه عثرة لا يعلم بها إلاّ الله تعالى؛ ففي هكذا حالات، هل من الصواب أن يأتي الإنسان الذي اطّلع بنحوٍ ما على هذه المعصية، ويُفشيها في كلّ مكان؟ فيكتب عنها في الجرائد، ويتحدّث عنها في الإذاعة والتلفاز، ويُشيعها في المجالس والمنتديات، ويقول: يا أيّها الناس، لقد ارتكب فلان معصية! أو يُخاطب ذلك المرتكب للمعصية: كن على حذر منّي، فأنا بدوري أعلم عنك بعض الأشياء! كأن نفترض مثلاً أنّه هو الوحيد من بين جميع الناس الذي اطّلع على تلك المعصية، مهما كانت الطريقة التي استعملها في ذلك! مع أنّه لا كلام لنا هنا عن الافتراء، فذلك له حسابه الخاصّ.
