
السير السريع في السلوك النفساني
يتعرض سماحة آية الله الحاج السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره تعالى في هذه المحاضرة الرابعة التي عقدها في الليلة التاسعة من شهر رمضان المبارك سنة 1438 هـ لشرح دعاء أبي حمزة الثمالي إلى بيان النقاط التالية: 1 تغيّر حال الإنسان عند الشعور بمن يراقبه 2 كيفيّة مشاهدة الأعمال يوم القيامة 3 معنى المراقبة التي كان الأولياء يوصون بها. 4 بعض الخصال المحبوبة في الصبيان 5 التغيير النفسي بحاجة إلى إعمال الجهد. 6ـ الاعتراف بالخطأ وعدم السعي للتبرير يُسرّعان السلوك.
السير السريع في السلوك النفساني
14فمع أنّ المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه كان وليًّا إلهيًّا ـ وهذه أعلى درجة يُمكننا تصوّرها، إلاّ أنّه حينما كان ينتهي من كتابة أحد مؤلّفاته، يأمرني بأن أقرأه، وأضع عليه إشكالاتي، فكنت أقرأ الكتاب، وأشكل عليه في بعض المواضع، فيقوم بتصحيحها.. حسنًا، أفهل كان الكتاب قرآنًا حتّى نكون ملزمين بعدم تغيير كلماته؟! لا! ولا يخفى أنّني تحدّثت سابقًا عن مثل هذه المسائل، وبيّنت هناك السرّ في صدور هكذا أفعال من أولياء الله تعالى؛ فلم ينزعج المرحوم العلاّمة ويقول: «يا للعجب، لقد طرح عليّ عدّة إشكالات! وحينئذ، كيف لي أن أتحدّث معه [حياءً]!»، فلم تكن مثل هذه الأمور لتأتي على ذهنه من الأساس، مثلما لم يأت على ذهني أنا أيضًا أنّني نجحت في الإشكال عليه! فما حدث هو أنّه كتب بعض السطور، فأشكلت عليه في بعض الموارد، فصحّحها، وانتهى الأمر! فلم يحصل أيّ شيء ذي بال، ولم تحدث أيّة مشكلة!
وحينئذ، يأتي أحدهم ويريد أن يُحاسبني على كلام قلته في أحد الأماكن، ويقول لي: «لماذا ذكرت هذا الكلام قبل ثلاثين سنة؟» فبغضّ النظر عن أنّه كان كلامًا صحيحًا، لكنّني أقول له: «كنت أرغب في ذكره!»؛
ـ لا، لقد كان كلامًا خاطئًا.
ـ فليكن ذلك، لقد أخطأتُ؛ هذا مع أنّني لم أخطأ هناك، لكن من باب التسليم فقط أقول إنّني أخطأت.
ـ لا، بما أنّك أخطأتَ هناك، فلا ينبغي لك أن تأتي وتتحدّث الآن.
ـ لماذا لا ينبغي عليّ الحديث الآن؟! وما معنى أنّه عليّ تجنّب الكلام؟! وما الذي تُريد منّي أن أفعله؟! هل تريدني أن أجلس في بيتي من دون عمل!
هل التفتّم؟! فهذا كلّه هراء! فنحن بأجمعنا بشر، وكلّنا يخطأ، وعلينا أن نتقدّم للأمام من خلال الشعور بهذه الحالة؛ فإذا امتلك الإنسان مثل هذا الشعور، فإنّه سيتقدّم بسرعة؛ وهذا الذي يُسمّى السير السريع في السلوك النفساني؛ أي أنّ النفس تتخلّص وتتحرّر من التعلّق بكلّ ما من شأنه أن يقف سدًّا أمامها؛ وهذا نظير ذلك الطائر الذي يتمّ تحريره فجأةً، فتجده يُحلّق بسرعة في السماء؛ وأمّا إذا بقي الإنسان أسيرًا لتلك الأجواء، فإنّه سيكون مثل الطائر الذي قُيّدت رجله بآلاف الحبال والخيوط، فيُريد أن يتحرّك هنا وهناك، لكنّها تصدّه عن الحركة، حيث إنّ ذلك التعلّق يحجز النفس عن التخلّص من الكثرات والتوغّل في الأهواء والشهوات، والتحليق في عوالم التجرّد؛ لأنّ تلك الأجواء متعارضة مع أجواء التجرّد؛ فهما فضاءان مختلفان، وعالمان متعارضان لكلّ واحد منهما قواعده وقوانينه الخاصّة؛ فكلّ من يدخل في هذا العالم [عالم التعلّقات]، لا يكون له أيّ اطّلاع على ذلك العالم [عالم التجرّد]، وكلّ من تمكّن من الولوج إلى ذلك العالم [التجرّد]، فإنّ هذا يعني أنّه تخلّص من جميع تلك التعلّقات، وتجاوز هذه الأمور.
