
السير السريع في السلوك النفساني
يتعرض سماحة آية الله الحاج السيّد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره تعالى في هذه المحاضرة الرابعة التي عقدها في الليلة التاسعة من شهر رمضان المبارك سنة 1438 هـ لشرح دعاء أبي حمزة الثمالي إلى بيان النقاط التالية: 1 تغيّر حال الإنسان عند الشعور بمن يراقبه 2 كيفيّة مشاهدة الأعمال يوم القيامة 3 معنى المراقبة التي كان الأولياء يوصون بها. 4 بعض الخصال المحبوبة في الصبيان 5 التغيير النفسي بحاجة إلى إعمال الجهد. 6ـ الاعتراف بالخطأ وعدم السعي للتبرير يُسرّعان السلوك.
السير السريع في السلوك النفساني
10فينقل أحد الأصدقاء أنّه ذهب إلى مكان، وكان يقول إنّ الرجل الذي رآه هناك كان ينصت إلى كلامه جيّدًا، وكان يقوم بأعمال من هذا النحو، وهذا يكشف عن تواضعه؛ فقلت له: «لا يا عزيزي! ليس هذا هو التواضع، بل التواضع أن يقوم بذلك مع مَن هو من أقرانه وطبقته؛ فحينها يُقال إنّه متسلّط على مسائل النفس والهوى، وأمّا أن يأتي، ويصنع ذلك معك أنت، فهناك الكثيرون يفعلون هذا، وسيسرّ طبعًا لكونه من أهل العلم ومع ذلك، فإنّه يسأل عن حال إنسان عاديّ؛ فهذا يسبّب السرور لنفسه أوّلاً، كما يسبّب لفت أنظار الآخرين (مثلما حصل فعلاً وبدأ ذلك الرجل يمدحه)، فيُقال عنه: «كم هو متواضع!»؛ فهذا ليس بالأمر الصعب.
وعلينا أن لا نتحدّث أكثر [عن هذه القصّة]، فقد كنت أريد أن أقول شيئًا، ولكنّي رأيت أنّ...، أجل، كما هو دأبنا دائمًا!!
أعان الله الإنسان عندما توضع أعماله الواحد تلو الآخر تحت المجهر؛ عندها يُعلم من هو صاحب التواضع، ومن هو الغارق من رأسه إلى أخمص قدميه في مخمصة الحقد والغضب والنفسانيّات والدنيا، وهو يُظهر للناس وجهًا مزيّنًا وظاهرًا مغريًا؛ وهذه هي المواضع التي لا يمكن الاعتماد فيها على هذه العين، لأنّها تحتاج نوعًا آخر من الأعين؛ وعندما تتوفّر عين الباطن هذه، وتخبر عن بعض الأمور، عندها يقول الإنسان: «يا للعجب! أيعقل ذلك؟!».
لماذا؟ لأنّنا نستعمل في حكمنا هذه العين وحدها؛ والحال أنّها لا تصلح للحكم، ولكن مع ذلك، فإنّنا نعتمدها؛ فهي تصلح للرؤية ليس إلاّ، وأمّا الحكم، فهو من مهمّة أداة أخرى، ولكن، نحن جعلنا الحكم والفكر وكلّ شيء في هذه العين ذات القزحيّة والصلبة والجسم الزجاجي والبؤبؤ والقرنيّة؛ والحال أنّ هذه الأمور تحتاج عينًا أخرى؛ وهي عين لا يُمكنها أن تخبرنا أنا وأنت بما ترى! لماذا؟ لأنّا لا نحتمل؛ فلو أخبرتنا لاعترضنا وقلنا: «لا! ماذا تقول يا فلان؟! ما هذا الكلام الذي تقوله؟»، ثمّ نسعى بعد ذلك للتبرير.
ومن غير حقد يتخاصمون: ليس لديهم حقد؛ ولو قمنا بالتفكير قليلاً في هذه المسائل، لأرانا الله وأفهمنا؛ ونحن لدينا آية شريفة تقول: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ واَلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهٰا وهُمْ عنها مُعْرِضُونَ﴾۱؛ يقول الحقّ تعالى: إنّ آياتنا تأتي وتمرّ عليهم، فيأتون، وينظرون، ويطأطئون رؤوسهم إلى الأسفل: وهم عنها معرضون؛ والحال أنّ عليك أن تأخذ كلّ آية تقع، وتطبّقَها على نفسك؛ فإن رأيت قضيّة، فخذها وطبّقها على نفسك، وهكذا القضيّة الثانية والثالثة... فعلى الإنسان أن يتلقّف كلّ قضيّة من هذه القضايا كلّ يوم، وفي مختلف الأحداث والموارد التي تواجهه، ويطبّقها على نفسه؛ فعليك أن تقرأ الأحداث التي وقعت في زمان رسول الله، وتطبّقها على نفسك؛ فلو كنت في ذلك الزمان، ماذا كنت صنعت؟ وما كان موقفك؟
- سورة يوسف، الآية ۱۰٥.
