
السالك بين مراعاة الآخرين والصلابة في طريق الحق
كيف يمكن للسالك أن يوازن بين مراعاة الآخرين والألفة معهم و حسن المعاشرة وصلة الرحم، و بين المحافظة على طريقه و الصلابة في الحق؟ يجيب سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني عن هذا السؤال المهم في هذه المحاضرة القيّمة مستشهداً بسيرة العلامة الطهراني رضوان الله عليه. وجدير بالذكر أن أهم عناوين المحاضرة كانت كالتالي: تعلّق الأطفال بالدنيا أقل من الكبار بكثير. الساخرون من العرفاء لا يعرفون النعيم الذي حصلوا عليه. الأولياء وصلوا ثمّ جاؤوا ليأخذوا بأيدينا. كان العلاّمة الطهراني رؤوفا برفقائه وصولاً لرحمه. لم يكن العلامة الطهراني يضحّي بالحقّ لأجل أيّ أحد. لم يكن لدى العلامة الطهراني أي تعلّق بالدنيا. العلاقة الخاصّة للعلامة الطهراني مع الإمام الرضا عليه السلام.
السالك بين مراعاة الآخرين والصلابة في طريق الحق
9أجل، قال لي: في كلّ يومٍ كان والدك يفعل ذلك، كان يأتيني دائماً، في حين أنّ الآخرين جميعًا حتّى الأقارب كانوا يقتصرون في مجيئهم على يومي الأحد والأربعاء وضمن الساعة المحدّدة بعد الظهر للزيارة. ماذا يعني ذلك؟ والحال أنّه كان لديه الكثير من الرفقاء في ذلك الوقت، ذكرت لكم بأنّه كان هناك العديد من الأشخاص المنتسبين إلى المرحوم الأنصاري وكانوا من أصدقائه، ولكن كان هذا الشخص (السيّد العلاّمة) من بينهم يطوي لأجله هذا الطريق وكان عنده هذه الهمّة، ويرى أنّه يستحق هذا البذل لأجله، وكان له هذا الحال معه! ولهذا امتاز سماحته عنهم جميعاً في النهاية! فليس الجميع سواء، ففي النهاية الناس مختلفون!
وكان مع هذه الخصوصيّات التي لديه وهذا الحال الذي عنده، كان لديه خصلةٌ مقابلةٌ أيضًا؛ وهو أنّه لم يكن يضحّي بقناعاته لأجل أفكار الآخرين وسلائقهم وحالاتهم! فالناس يريدون أن يمشي الآخرون طبقًا لميولهم..
ـ فيقول أحدهم للإنسان: عليك أن تأتي وتقبل بهذا!
ـ فيجيب: لا أريد أن أقبل.
ـ لا بل عليك أن تقبل.
ـ لماذا أقبل أنا؟ بل أنت عليك أن تقبل بي، لماذا أنا؟
ـ ينبغي أن تأتي وتمشي في هذا الطريق، فهذا الطريق هو الذي نرتضيه نحن!
ـ هل طريقك صحيح حتّى تدعوني إليه، أم أنّه باطل؟! فإن كان صحيحًا فهات دليلك، وإن لم يكن لديك دليلٌ فلماذا تصرّ هكذا عليّ! فهذا ترجيح بلا مرجّح؛ فأنا أقول بأنّ هذا الطريق صحيح ولديّ دليل عليه، وأنت تدعوني إلى طريقك والحال أنّه لا دليل لك عليه، لا يصحّ هذا!
دائمًا هكذا كان في هذه الخصوصيّات وفي هذا الحال وفي التعلّق بالرفيق والمحبة الزائدة التي كانت مضربً للمثل بينهم في ذلك، بل حتّى في المسائل الأسرية والعائليّة وصلة الرحم.. إذ بعد وفاته كلّما كنّا نلتقي بأحدٍ من الأرحام أو نزوره، كان يقول: رحم الله والدك! هذا العمل الذي تقوم به [أي الزيارة وصلة الرحم] وحالك إنّما هو بسبب والدك، فقد كان كذلك! يعني أنّه كان شخصًا نموذجيًا في عائلتنا من حيث مراعاته لصلة الرحم ومراعاة مسألة الألفة والأنس، ولم يكن أحدٌ مثله في ذلك. وفي مسألة الرفاقة كان كذلك؛ فقد كان يبذل وقته لأجل الرفيق؛ كان يتحدّث معهم ويطيّب خاطرهم، وكان يقضي حاجاتهم، وإذا كان أحدهم بحاجة إلى شيء لم يكن ينام.. أعرف ذلك بنفسي لم يكن ينام!
