
السالك بين مراعاة الآخرين والصلابة في طريق الحق
كيف يمكن للسالك أن يوازن بين مراعاة الآخرين والألفة معهم و حسن المعاشرة وصلة الرحم، و بين المحافظة على طريقه و الصلابة في الحق؟ يجيب سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني عن هذا السؤال المهم في هذه المحاضرة القيّمة مستشهداً بسيرة العلامة الطهراني رضوان الله عليه. وجدير بالذكر أن أهم عناوين المحاضرة كانت كالتالي: تعلّق الأطفال بالدنيا أقل من الكبار بكثير. الساخرون من العرفاء لا يعرفون النعيم الذي حصلوا عليه. الأولياء وصلوا ثمّ جاؤوا ليأخذوا بأيدينا. كان العلاّمة الطهراني رؤوفا برفقائه وصولاً لرحمه. لم يكن العلامة الطهراني يضحّي بالحقّ لأجل أيّ أحد. لم يكن لدى العلامة الطهراني أي تعلّق بالدنيا. العلاقة الخاصّة للعلامة الطهراني مع الإمام الرضا عليه السلام.
السالك بين مراعاة الآخرين والصلابة في طريق الحق
2أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم
بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد
وعلى آله الطيبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
«وَ لَوْ خِفْتُ تَعْجِیلَ الْعُقُوبَةِ لاجْتَنَبْتُهُ لا لِأَنَّکَ أَهْوَنُ النَّاظِرِینَ وأَخَفُّ الْمُطَّلِعِینَ؛ بَلْ لِأَنَّکَ یَا رَبِّ خَیْرُ السَّاتِرِینَ وأَحْکَمُ الْحَاکِمِینَ وأَکْرَمُ الْأَکْرَمِینَ»
يقول عليه السلام: لو كنت خائفًا من أن تعجّل عليّ بالعقوبة لما ارتكبت ذنوبًا قطعًا، وليس هذا لأنّك تتساهل في إشرافك ورقابتك عليّ أو لأنك مشرف ورقيب ضعيف، ولا لأنّ اطّلاعك على الأفعال وعلى النفوس اطّلاع ناقص وبلا قيمة؛ بل ارتكبت الذنب ـ وما زلت أرتكبه ـ لأنّك يا ربّ خير الساترين، ولأنّك في مقام الحُكم أفضل الحاكمين، ولأنّك في مقام الكرم لديك أرقى مرتبة من مراتب الكرم والعظمة والمجد والعفو.
لقد ذكرنا للأصدقاء أنّ من الطبيعي أن تحصل هذه المسألة عند الإنسان، لأنّه في النهاية بشرٌ، وهو بطبيعته يميل نحو الأمور الدنيويّة والشهوات والغفلة والكثرات. لقد خلقه الله في هذه الدنيا وجعله ذا نفسٍ، وهذه النفس ـ وبسبب حبّها لذاتها ـ تحبّ آثار ذاتها بالتّبع، وهي تتعدّى الحدود في سبيل جلب المنافع ودفع المضار، وكلّ ما يجري على الإنسان من حوادث يجعله يتعلّق بهذه الغريزة أكثر، وكلّما زاد عمر الإنسان فإنّ هذه المسألة تزيد معه أيضًا.
تعلّق الأطفال بالدنيا أقل من الكبار بكثير
لاحظوا ميول الأطفال إلى الأمور الدنيوية ولاحظوا مستواها، فستجدون أنّ مستواها قليلٌ جدًا، بحيث أنّكم تضحكون على الأفعال التي يقوم بها الأطفال، وكأنّ الدنيا ليست ذات أهميّة لهم، فهم لا يهتمّون كثيرًا لو أُخذ منهم شيءٌ أو أُعطي لهم شيء، فلو قارنتم تصرفاتهم مع الكبار والبالغين فسترون كم هي قليلةٌ تعلّقاتهم، وكم هو قليل ما يريدونه من الدنيا! إنّهم يقنعون بالقليل، ففي مقام البذل والعطاء ترون كيف أنّهم يتخلّون عمّا بأيديهم بسهولة، بسهولة جدًّا، بخلاف البالغين فإنهم لا يتخلّون عن الأشياء بهذه السهولة.
هناك رواية جميلة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول فيها ما معناه: إني أحب من الأطفال أربعة خصال۱: أحدها أنهم يبكون. إنّ البكاء ناشئ من ظهور الرحمة، في مقابل الضحك والمراد منه القهقهة التي يكون فيها جانب الحيوانيّة والكثرات ظاهرًا. أما التبسّم وما شابه فلا إشكال فيه وله محلّه.
- الظاهر أنّ سماحته يشير إلى الرواية التي نقلها السيد العلاّمة الطهراني رضوان الله عليه في كتاب "الروح المجرّد" ص٥٩٦، عن كتاب "زهر الربيع" بهذا النصّ: إنِّي أحِبُّ مِنَ الصِّبْيَانِ خَمْسَةَ خِصَالٍ: الأوَّلُ: أنَّهُمْ البَاكُونَ، الثَّانِي: على التُّرَابِ يَجْتَمِعُونَ، الثَّالِثُ: يَخْتَصِمُونَ مِنْ غَيْرِ حِقْدٍ، الرَّابِعُ: لَا يَدَّخِرُونَ لِغَدٍ، الخَامِسُ: يَعْمُرُونَ ثُمَّ يُخْرِبُون. (المترجم)
