
السالك بين مراعاة الآخرين والصلابة في طريق الحق
كيف يمكن للسالك أن يوازن بين مراعاة الآخرين والألفة معهم و حسن المعاشرة وصلة الرحم، و بين المحافظة على طريقه و الصلابة في الحق؟ يجيب سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني عن هذا السؤال المهم في هذه المحاضرة القيّمة مستشهداً بسيرة العلامة الطهراني رضوان الله عليه. وجدير بالذكر أن أهم عناوين المحاضرة كانت كالتالي: تعلّق الأطفال بالدنيا أقل من الكبار بكثير. الساخرون من العرفاء لا يعرفون النعيم الذي حصلوا عليه. الأولياء وصلوا ثمّ جاؤوا ليأخذوا بأيدينا. كان العلاّمة الطهراني رؤوفا برفقائه وصولاً لرحمه. لم يكن العلامة الطهراني يضحّي بالحقّ لأجل أيّ أحد. لم يكن لدى العلامة الطهراني أي تعلّق بالدنيا. العلاقة الخاصّة للعلامة الطهراني مع الإمام الرضا عليه السلام.
السالك بين مراعاة الآخرين والصلابة في طريق الحق
11والحاصل أنّه كان عجيبًا جدًا! يعني كان عجيبًا واقعًا! وهذه إحدى النماذج، وأعرف بعض الموارد التي أخجل أن أذكرها لكم، حقيقةً لا يمكنني أن أذكرها، كنت أريد أن أذكر لكم قصّة أخرى، لكن ذكرها مُشكل، لذا أكتفي بهذا المورد فقط.
يعني أنّه كان إلى هذا الحدّ يراعي مشاعر الرفيق ويراعي أموره، وكانت هذه المسائل مهمّة عنده، ويوليها أهميّة، ولم يكن ذلك منه تمثيلاً أو تصنّعاً، بل كانت هذه الأمور تنشأ واقعًا من نفسه ومن داخله ومن حقيقة وجوده.
لم يكن العلامة الطهراني يضحّي بالحقّ لأجل أيّ أحد
ورغم وجود هذه الصفات و هذه الحالات عنده، إلاّ أنّه ما كان ليضحّي بنفسه لأجل إرضاء الميول والرغبات؛ يعني عندما كان يحصل أمر معيّن فينفصل بعضهم ويبتعدون عن مسير الحقّ، كانوا يحاولون كثيرًا مع المرحوم الوالد ليدخلوه في أمورهم ومحافلهم، باعتبار أنّ المرحوم الوالد كان له مكانةٌ مختلفةٌ عن الآخرين، فكانوا يريدونه أن يكون معهم ليقال: فلانٌ معنا! وهذا يعتبر مهمًّا لهم، ولكنّهم مهما حاولوا لم يستطيعوا ذلك! بل كان يقول: الحقّ هو هذا! فإن جئتم فأنتم محترمون ومقدّرون وسأكون في خدمتكم، وإن لم تأتوا فلا يمكنني أن أتجاوز الحقّ؛ بأن آتي وأشارك في الأماكن والمجالس التي تقف أمام الحق وتعارضه! كيف يمكنني ذلك؟! انظروا كيف كان محافظًا على نفسه.
فتلك المحبة وكرم الأخلاق وتلك المسائل لها مكانتها، ومسألة حفظ الشخصيّة والهويّة والطريق والمسير لها مكانتها أيضًا؛ فعلى الإنسان أن يحافظ دائمًا على هاتين الجهتين، ويهتمّ بهما، إذ يمكن للإنسان أن يتحرّك من خلال هاتين الجهتين، ويمكنه أن يرفع تمام الموانع والعقبات عن طريقه بهما!
هذه هي وضيّعته وحاله، وعندما أتى إلى إيران ـ وهذا الذي كنت أريد أن أقوله ـ بقي ضمن هكذا أجواء لمدّة اثنين وعشرين سنة، كان يقول لي: (يا فلان! لو لم يكن هناك تكليفٌ من قِبل أستاذي، لما كنت لأصرف ساعةً من وقتي مع أحدٍ أبدًا! وطيلة هذه السنوات الإثنتين والعشرين التي عشتها في طهران، لم أُمض منها ولو ساعة واحدة من دون إذن من الأستاذ).
