
محدودية تفكير العوام مقابل فهم أولياء الله
عناوين المحاضرة: نعمة التوفيق لإدراك شهر رمضان. التوجه الصحيح لموضوع عمر الإنسان. مظلومية أهل البيت عليهم السلام. كلامُ وليّ الله مشروطٌ بظرفٍ خاص. أهمية الالتزام بنهج أولياء الله وعدم التأثر بالمحيط الإجتماعي. الفهم الظاهري للعوام ومحدوديّة تفكيرهم. أُفق فهم الوليّ مطلق وغير محدود.
محدودية تفكير العوام مقابل فهم أولياء الله
13فجميع هذه الأمور تتنحّى جانبًا، ويحلّ محلّها هذا الظاهر والحسّ والخيال والأوهام؛ فلا تترك المجال لأيّ شيء آخر، فيأتي صاحبنا، ويبدأ في طرح الإشكالات: لماذا لا تنهض؟ لماذا لا تُقدم على أيّة خطوة كما يفعل الآخرون؟ فيُجيبه [المرحوم العلّامة]: يا عزيزي، حينما كنت أنتَ تُمضي أيّامك في أمور غير معلومة، كنّا نحن عاكفين على العمل! فأصل هذه الأمور [التي تتحدّث عنها] قام على أكتافنا نحن! وقد تحدّث المرحوم العلاّمة عن نزر قليل من ذلك في كتاب «وظيفة الفرد المسلم في إحياء حكومة الإسلام»، كما أنّه لا زالت تحضرني أيضًا العديد من المسائل التي شاهدتها شخصيًّا في فترة طفولتي، والتي أتذكّرها الآن بشكل واضح وضوح الشمس في رائعة النهار.
فأين كنتَ أنت في تلك الأيّام التي قُصمت فيها ظهورنا لأجل هذا الطريق، وتجرّعنا بسببه الغُصص، وفعلنا ما فعلنا؟! بينما جئت تُحاكمنا على ما تراه الآن!
ولكنه لا يقدر على الاستيعاب؛ ولهذا، يتحيّر في أمره، ويشرع في طرح الإشكالات؛ لذلك، يقول له المرحوم العلاّمة: لقد أضحيت مثل التفّاحة التي أكلتها الدود! فعندما يهجم الدود على التفّاحة، يُصبح باطنها فاسدًا، ولا تستطيع أن تُخلّص نفسها؛ لأنّها تآكلت من داخلها، وفسدت من داخلها وبالتالي فقدت تلك النضارة واللطافة والحياة التي منحها الله تعالى إيّاها.
وماذا سينتج عن ذلك؟ سينتج عنه أنّه وبمجرّد تغيّر الأمور، وتبدّل الأحداث عما هي عليه، ترى نفس ذلك المعترض على المرحوم العلّامة يتّخذ موقفًا مخالفًا مائة وثمانين درجة لما كان يتحدّث عنه هو نفسه سابقًا؛ فما الذي حصل؟! فقد كنت تتحدّث بهذا الشكل! وكنت تعترض، وتنتقد، وتقول [للمرحوم العلّامة]: «متى ستعمل لمصلحة للإسلام؟!»، فلماذا تتحدّث الآن بمثل هذه الأمور؟! فإمّا أن تختار هذه الجهة، وإمّا أن تختار الجهة الأخرى، لكنّك لم تثبت على كلامك ولا على أفعالك ولا على... .
إنّ هذا النوع من الناس يُعاني من نفس المشكلة؛ وهي أنّهم لا يعرفون قدرهم بالمقارنة مع وليّ الله تعالى! هذه هي حقيقة المسألة، فهم لا يفرّقون بين من نكون نحن، ومن يكون هو؛ وما هو مقدار الفهم الذي نملكه نحن، وما هو الأفق والعالم الذي ينظر منه هو، وبأيّة وتيرة؛ فنحن لا نقدر أن نرى أمامنا أكثر من متر واحد، بينما هو يستطيع النظر إلى ما لا نهاية؛ ونحن لا نتعدّى في الرؤية هذه اللحظة، بينما هو يرى ما سيقع بعد عشر سنوات، وعشرين سنة، وثلاثين سنة؛ ونحن نختار طريقنا الآن وفقًا لظروف معلولة لعلل غير اختياريّة، بينما هو ينظر لتلك السلسلة من العلل التي تتحكّم في هذه المسائل والأحداث والوقائع؛ ومن هنا، كان المرحوم العلّامة يقول: إذا أدّيتَ سجدة الشكر إلى يوم القيامة على أن وفّقك الله تعالى لهذا الطريق، فلن تكون قمت بشيء ذي بال! ما هو السبب في ذلك؟ لأنّه إذا لم تكن تلك المنّة التي امتنّ الله بها علينا، وتلك النعمة العظمى التي منحنا تعالى إيّاها، وتلك الكرامة التي تفضّل بها علينا، لو لم تكن موجودة في غير هذه المدرسة لما كان بالإمكان الحصول عليها أبدًا إلى يوم القيامة! لماذا؟ لأنّ فهمنا لا يتعدّى خمسة سنتمترات، ونحن بهذا المستوى من الفهم لا نستطيع التقدّم، وبلوغ مقام الإطلاق الذي لا حدّ له، بل سنبقى في دائرة هذه السنتمرات الخمس، ونُمضي أيّامنا وأعوامنا بهذه السنتمرات الخمس، وندرس في ضمنها، ونُحصّل العلوم الدينيّة في نطاقها، ويظهر عليك أنّك عالم في إطار هذه السنتمرات الخمس، لا أكثر، وتشيب في دائرة هذه السنتمرات الخمس، وتتحدّث مع الناس من خلالها؛ وهكذا إلى آخر المطاف، وانتهاء المهلة الممنوحة لك؛ فلن تتغيّر هذه الخمسة سنتمرات إلى ستّة أبدًا، اللهمّ إلاّ إذا أخذ ذلك الوليّ الإلهيّ بيدك؛ ولهذا السبب، علينا أن نُدرك قدر هذه النعمة التي منحنا الله تعالى إيّاها؛ وطريق ذلك غير بعيد؛ لأنّنا نرى بأمّ أعيننا الآثار المترتّبة عليها، وهي أمور واضحة جدًّا، بل وأوضح من الشمس! حيث إنّ صدق كلام العظماء وما ذكروه من مسائل هو واضح لدينا وضوح الشمس في رائعة النهار!
