
نظرة الإنسان للبدن من منظور الأولياء
في هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الطهراني قدس سره تعالى في الثامن عشر من شهر رمضان المبارك، استمرّ سماحته في شرح فقرة (فلو اطَّلَعَ اليَوْمَ عَلى ذَنْبِي غَيْرُكَ ما فَعَلْتُهُ وَلَوْ خِفْتُ تَعْجِيلَ العُقُوبَةِ لاجْتَنَبْتُهُ...) مستعرضًا في ضمن ذلك النقاط التالية: ـ خوف الإنسان من العقوبة الدنيويّة بدل الأخرويّة راجع إلى ترجيحه للظاهر على الباطن ـ احتمال وقوع الجميع في خطر ترجيح الدنيا على الآخرة ـ عدم اهتمام الإنسان بالتأثير الذي يتركه نفس العمل ـ الهداية بيد الله تعالى يوصلها لمن يشاء كيف يشاء ـ النظر إلى البدن بنظرة آليّة لا استقلاليّة أسلوب تعامل الأولياء مع البدن
نظرة الإنسان للبدن من منظور الأولياء
9أفهل أنّ ذلك بيدي أنا؟ أم بيدك أنت؟ أم بيد أيّ أحد منّا؟ فمن هو الذي يُدير الأمور ويُدبّرها؟ ومن الذي ألقى في روع ذاك أن يذهب تلك الليلة إلى منزل رفيقه، فيجده يستمع إلى محاضرة، فيقول له: ما الخبر؟! فيُجيبه: تعال، واستمع أنت أيضًا، لترى ماذا هناك! فيجد ذلك الشيء الذي كان يهرب منه! ثمّ يذهب إلى مكان آخر، وهكذا.
فترى أحدهم ملازمًا لبيت الرسول؛ نظير مالك بن أنس الذي كان خادمًا له صلّى الله عليه وآله وسلّم، لكن، عندما سأله أمير المؤمنين بعد وفاة النبيّ الأعظم عن وقوع تلك الحادثة [المرتبطة بحقّ أمير المؤمنين عليه السلام] قال له: «يا علي، نسيت من كِبَري!» هذا مع أنّ العهد قريب!! وقد نقلتُ هذه الحكاية في الجزء الأوّل من كتاب أسرار الملكوت.۱ وهنا، ينبغي لله تعالى أن يُظهر قدرته! فلا يُمكن أن تمرّ المسألة هكذا! فقال له الإمام عليه السلام: «إذا كنت تقول الحقّ، فلا شيء عليك، لكن لو كنت تكذب، فليأخذ الله تعالى بصرك، وليرمك بالبرص على جبهتك حتّى لا تستطيع أن تخفيه»؛٢وقد عمي في الحال، فلم يقم من مكانه وإلاّ وقد أصابه العمى، وأصابه برص في نفس تلك اللحظة، بحيث مهما حاول أن يخفيه بعمامته، لم يكن يستطع.. فلا ينبغي اللعب بذيل الأسد! فمع أنّه كان ملازمًا لبيت الرسول، إلاّ أنّ مصيره كان بهذا النحو!
فالسبب من وراء جميع هذه الأمور هو أنّنا لا نهتمّ بأرواحنا وأنفسنا ومصيرنا، وبالعوالم الأخرى التي تنتظرنا، وبارتقائنا في مدارج الكمال، بل نكتفي بالقول: يا للهول، لقد أصيبت يدي بخدش! يا للهول، لقد ظهر دمل هنا، وهكذا! فنحصر اهتمامنا بالظاهر، وبالبدن، من دون أن نكترث بالروح، والعالم الآخر، والمصير، والجنّة والنار، والكمالات، والمسائل الأخرى.
فلو كنّا نعتني بهذه الأمور، لما كانت هناك حاجة لكي يتحدّث الإمام السجّاد عن هذه المسائل، وإلاّ، فلمن يقول عليه السلام ذلك؟ لنا نحن الذين نُرجّح الظاهر على الباطن، والبدن على الروح، والدنيا على الآخرة؛ فيقول لنا: مشكلتنا نحن البشر الذين هم على هذه الشاكلة هي هنا!
- أسرار الملكوت، ج ۱، ص ٤٤.
- وردت هذه الرواية في بحار الأنوار، ج ٣۷، ص ۱٩٩ بهذا النحو: «ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّ عِدَّةً مِنَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ والْمُحَدِّثِينَ كَانُوا مُنْحَرِفِينَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام قَائِلِينَ فِيهِ السُّوءَ، ومِنْهُمْ مَنْ كَتَمَ مَنَاقِبَهُ وأَعَانَ أَعْدَاءَهُ مَيْلاً مَعَ الدُّنْيَا وإِيثَارًا لِلْعَاجِلَةِ؛ فَمِنْهُمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ نَاشَدَ عَلَى النَّاسِ فِي رَحْبَةِ الْقَصْرِ أَوْ قَالَ رَحْبَةِ الْجَامِعِ بِالْكُوفَةِ: أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ؟ فَقَامَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً فَشَهِدُوا بِهَا، وأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ لَمْ يَقُمْ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَنَسُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَقُومَ فَتَشْهَدَ، فَلَقَدْ حَضَرْتَهَا، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَبِرْتُ ونَسِيتُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ كَاذِبًا، فَارْمِهِ بِهَا بَيْضَاءَ لَا تُوَارِيهَا الْعِمَامَةُ. قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُمَيْرٍ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْوَضَحَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَبْيَضَ بَيْنَ عَيْنَيْه». المترجم
