
نظرة الإنسان للبدن من منظور الأولياء
في هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الطهراني قدس سره تعالى في الثامن عشر من شهر رمضان المبارك، استمرّ سماحته في شرح فقرة (فلو اطَّلَعَ اليَوْمَ عَلى ذَنْبِي غَيْرُكَ ما فَعَلْتُهُ وَلَوْ خِفْتُ تَعْجِيلَ العُقُوبَةِ لاجْتَنَبْتُهُ...) مستعرضًا في ضمن ذلك النقاط التالية: ـ خوف الإنسان من العقوبة الدنيويّة بدل الأخرويّة راجع إلى ترجيحه للظاهر على الباطن ـ احتمال وقوع الجميع في خطر ترجيح الدنيا على الآخرة ـ عدم اهتمام الإنسان بالتأثير الذي يتركه نفس العمل ـ الهداية بيد الله تعالى يوصلها لمن يشاء كيف يشاء ـ النظر إلى البدن بنظرة آليّة لا استقلاليّة أسلوب تعامل الأولياء مع البدن
نظرة الإنسان للبدن من منظور الأولياء
12لقد كنت أودّ الحديث في هذه الليلة عن مسألة مراتب اطّلاع الحقّ تعالى وإشرافه، إلاّ أنّ الكلام انجرّ للبحث عن هذه الأمور؛ ولعلّ الله سبحانه يُوفّقنا في الليلة القادمة للحديث عنها.
فما نراه [أثناء النوم] لا وزن له، وما يراه الشخص في عالم المكاشفة لا وزن له؛ ومع ذلك، فإنّنا نأتي ونحصر حقيقتنا في هذا البدن، ونجعل الروح والنفس في الهامش، من دون أن نكترث لهما، بل نحصر اهتمامنا بهذا البدن الذي هو عبارة عن لاشيء، والذي سيتحوّل إلى تراب بعد مرور ثلاثين سنة؛ فإذا نظرت في القبر بعد هذه المدّة، فإنّك لن تجد شيئًا، وحتّى لو وجدت شيئًا، فإنّ ذلك لن يتعدّى بعض العظام؛ وقد حصل لي أن شاهدت قبرًا فتحوه بعد مرور ثلاثين سنة، فلم أر فيه إلاّ بعض العظام البالية.. فما الذي حصل؟ وأين هو ذلك البدن؟ وأين ذهب ذلك الجسم؟
وهذه المسألة [أي حصر الاهتمام بالبدن] هي التي تسلب التأثير عن العبادة؛ أي أنّه: ما دمنا نحمل هذا الفكر، فإنّ تأثير العبادة سيكون بهذا المستوى، لكن، كلّما ارتفعت النظرة الاستقلاليّة للبدن، وحلّت محلّها النظرة الآليّة والتوسطيّة والتوسّلية، كلّما ارتفع مستوى هذه العبادة، وارتفعت قدرتها، وازداد تأثيرها في النفس وتجرّدها، حتّى يبلغ الإنسان درجةً لا يعود معها يحسب أيّ حساب للبدن.
أسلوب تعامل الأولياء مع البدن
رحمة الله على المرحوم العلاّمة والسيّد الحدّاد رضوان الله عليهما؛ فقد كان المرحوم العلاّمة يقول أنّه حينما كان في كربلاء، لطالما كانت زوجة السيّد الحدّاد ـ أمّ مهدي رحمها الله تعالى ـ تُهيّء لهما الطعام، ثمّ يُصيبها التعب، وتشعر بالنوم، فتجد بأنّهما لا يزالان يتحدّثان معًا، فتقول لهما: «ما كلّ هذا الكلام؟»، حيث كانت هناك غرفة تقع خلف الباب يُمكن الوصول إليها بعد قطع درجين، فكانت تقول لهما من وراء الباب: «ما كلّ هذا الكلام؟ لماذا لا تأتيان لتناول العشاء؟».
فكان السيّد الحدّاد يقول: «تعال يا سيّد محمّد حسين، فهي لن تدعنا أبدًا، وقد تعلّق هذا الطعام برقبتنا، فتعال بنا نتخلّص منه! فقل لها أن تأتي»، فكانت تأتي بالمائدة، فيقول [المرحوم الحدّاد] بعد ذلك: «انظر، لقد تخلّصنا منه!». فقد كان هؤلاء على هذه الشاكلة، إذ لم يكن لهم توجّه بتاتًا [للبدن]، فكانوا يقولون: «تعال نتخلّص من الطعام، فقد تعلّق برقبتنا، وعلينا أن نرتاح منه، وهي لن تدعنا لحالنا؛ لأنّها تُريد أن تنام، فتراها تقول: «لقد جلسا يتحدّثان من دون انقطاع!»».
