
نظرة الإنسان للبدن من منظور الأولياء
في هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الطهراني قدس سره تعالى في الثامن عشر من شهر رمضان المبارك، استمرّ سماحته في شرح فقرة (فلو اطَّلَعَ اليَوْمَ عَلى ذَنْبِي غَيْرُكَ ما فَعَلْتُهُ وَلَوْ خِفْتُ تَعْجِيلَ العُقُوبَةِ لاجْتَنَبْتُهُ...) مستعرضًا في ضمن ذلك النقاط التالية: ـ خوف الإنسان من العقوبة الدنيويّة بدل الأخرويّة راجع إلى ترجيحه للظاهر على الباطن ـ احتمال وقوع الجميع في خطر ترجيح الدنيا على الآخرة ـ عدم اهتمام الإنسان بالتأثير الذي يتركه نفس العمل ـ الهداية بيد الله تعالى يوصلها لمن يشاء كيف يشاء ـ النظر إلى البدن بنظرة آليّة لا استقلاليّة أسلوب تعامل الأولياء مع البدن
نظرة الإنسان للبدن من منظور الأولياء
10ينبغي النظر إلى البدن بنظرة آليّة لا استقلاليّة
لكن، حينما يفتح الله تعالى عيني الإنسان، ويلتفت إلى حقيقة المسألة، وإلى الهدف الذي ينبغي عليه أن يصبو إليه، وإلى الأمر الذي عليه أن يُرجّحه في هذه الدنيا، فإنّك ترى بأنّك أفكاره قد تبدّلت دفعةً واحدة، ولم يعُد ينظر إلى البدن بنظرة استقلاليّة، بل يراه كوجود جعله الله تعالى تحت سلطته في هذه الأيّام المعدودة، حتّى يبلغ عن طريقه بالروح إلى المنزلة المنشودة.
فارتقاء الروح وكمالها يحصل في أحيان كثيرة بواسطة البدن؛ لأنّ البدن هو الذي عليه أن يُؤدّي الصلاة حتّى ترتقي الروح، وهو الذي عليه أن يصوم لكي تتكامل الروح، وهو الذي عليه أن يقوم بالحجّ حتّى تحصل الروح على فائدة معيّنة، وهو الذي عليه أن يذهب لميدان العمل والتجارة حتّى تحصل الروح عن طريق هذه العلاقات على نضج معيّن وتجارب خاصّة؛ وهذا البدن هو الذي عليه أن يسعى لتلبية احتياجات الفقراء والمساكين وأمثال ذلك؛ لأنّ الذي يجلس في منزله، ويضع رجلاً على رجل، لا يمكنه أن يفعل شيئًا! فالكثير من المسائل تحصل بواسطة البدن.
لقد كان المرحوم الشيخ الأنصاري رضوان لله عليه يقول: إنّ الموت لا يتبدّل عمّا هو عليه، وحينما يحلّ وقت مجيئه، فإنّه سيأتي، غير أنّ الحقّ تعالى منح الإنسان الصحّة والسلامة حتّى يتمكّن من أن يعيش في هذه الحياة بشكل أفضل، وهذا يمنحه فرصة للقيام بأعماله بنحو أحسن؛ نعم، أحيانًا، قد تحلّ بالإنسان بعض المصائب؛ وهذا محفوظ في مكانه. فكان يقول: إنّ [موعد حلول] الموت لا يتغيّر، وما هو مقدّر للإنسان سيأتي من دون أن يتقدّم أو يتأخّر... والحقّ هو هذا: فحينما يكون الإنسان سليمًا في بدنه، يستطيع أن يشعر بالراحة أكثر في فكره وذكره، ويكون توجّهه أفضل، ويُمارس عباداته بشكل أحسن، ويُؤدّي أعماله بنحو أليق.
ثمّ بعد ذلك، تُصبح هذه المسألة واضحة كثيرًا عند الإنسان؛ فقد كان إلى الآن يمنح استقلالاً للبدن، بحيث يظنّه هو الذي يُشكّل حقيقته، فيحرص عليه كثيرًا، ويُشكّل لديه هاجسًا كبيرًا، ويقول: «يا للهول، ما هو سبب ظهور هذه البقعة هنا؟ لماذا صار هذا الموضع أبيضًا والآخر أسودًا والثالث أصفرًا؟ عليّ أن أذهب للطبيب فورًا! لقد ظهر هنا دمّل، وبرز هناك قمّل!!!!»، إلاّ أنّ تلك الحالة تتبدلّ إلى حالة وساطة وآليّة وتوسّل؛ فتتغيّر تلك الجنبة الاستقلاليّة وذلك النظر الاستقلالي إلى نظر آلي؛ والآلي هنا بمعنى الواسطة؛ فتُحافظ على سلامة بدنك بمقدار ما يُمكّنك من القيام بأعمالك.
