
الدافع الحقيقي للعمل
واصل سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الطهراني في هذه المحاضرة التي ألقيت في الخامس عشر من شهر رمضان المبارك 1437 هـ حديثه عن فقرة فَلَوِ اطَّلَعَ الْيَوْمَ عَلَى ذَنْبِي غَيْرُكَ مَا فَعَلْتُهُ وَلَوْ خِفْتُ تَعْجِيلَ الْعُقُوبَةِ لَاجْتَنَبْتُهُ ؛ وذلك في ضمن النقاط التالية: باعثنا على أداء التكاليف هو الخوف من العقوبة اشتمال الأحكام والتكاليف الإلهيّة على جهة وساطة ينبغي الاهتمام بمصلحة النفس عند أداء التكليف وليس بنظرة الناس عدم انتظار صدور الأمر من أجل العمل بالحقّ اختلاف درجة السلاّك في التسليم والعمل معيار العمل الصحيح
الدافع الحقيقي للعمل
11وكان رضوان الله عليه يقول: «حينما جئت [إلى النجف]، وضعت قطعة من القطن في هذه الأذن وقطعة من القطن في الأذن الأخرى، وقلت: كلّ من يريد أن يقول شيئًا فليقله!»، لكن من هم الأشخاص الذين كانوا يتكلّمون وينصحون؟! لقد كانوا أشخاصًا لا يُحسب لهم أيّ حساب من حيث الفكر ومستوى الفهم والإدراك! فيأتون عند الإنسان ويبدأون بتقديم النصائح: تصرّف بهذه الطريقة، ولا تتصرّف بتلك الطريقة! قم بهذا الفعل، ولا تقم بذلك الفعل!
حسنًا، فهذه هي آخر مرتبة يُمكن أن يصل إليها المرء، حيث يتخلّى عن كلّ شيء؛ وفي نهاية المطاف، تتنحّى إرادته لتحلّ محلّها تلك الإرادة، ويتمكّن من بلوغ تلك الدرجة.
ولهذا، فإنّ القضيّة هنا هي بهذا النحو؛ فعلى الإنسان أن يرى في نفسه ما هي المرتبة التي يحتلّها من بين هذه المراتب المختلفة، وضمن أيّ قسم من هذه التقسيمات يندرج؛ إذ بوسع الإنسان أن يُفكّر ويتأمّل وينظر في أحواله النفسيّة، فتفكّر ساعة خير من عبادة سبعين سنة، وبأيّ شيء يُفكّر؟ بهذه الأمور، وبالمرتبة التي تحتلّها نفسه، وإلى أين وصلت أوضاعه، وما هو الموضع الذي تمكّن من بلوغه، وما هو مستوى تقدّمه! ولهذا، كان المرحوم العلاّمة يُردّد كثيرًا هذا البيت الشعري:
بلبل به باغ وجغد به ويرانه تاخته *** هر كس به قدر همت خود لانه ساخته [ومعناه: لقد تعلّق البلبل بالبستان والبومة بالأرض الخربة؛ فكلٌّ يبني عشّه بمقدار همّته]
حسنًا، أعتقد بأنّه لا مجال لكي نتوسّع هذه الليلة في هذا المطلب بشكل أكبر، وإن شاء الله نكل تتمّة هذه المسائل ليلة الغد إذا أراد سبحانه وتعالى ذلك.
وخلاصة القول أنّ الإمام السجّاد هو بصدد تحذيرنا وتوبيخنا قائلاً: لماذا أنت جالس! لقد عبدت الله عمرًا طويلاً، لكنّ عبادتك كانت كلّها منبعثة من الخوف؛ ولقد صلّيت وصمت لفترة مديدة، لكنّ ذلك كان احترازًا من العقاب الأخروي؛ ولقد عملت كثيرًا، وأجريت العديد من الصفقات، وكنت تعيش وسط الناس، إلاّ أنّ غاية همّك كان هو المحافظة على جاهك وشرفك.
معيار العمل الصحيح
فالرجولة تبرز حينما لا تكون المسألة مسألة شرف وجاه؛ فهناك يُمكن للإنسان أن يطّلع على عمله هل هو جيّد أم لا! هناك تبرز الرجولة! فترى بأنّك إذا لم تقم بذلك العمل، فلن تحدث أيّة مشكلة ولن يطّلع عليه أحد؛ حينئذ، ستكتشف أنّ عملك صحيح أم لا! بل هنا سيكون صحيحًا! خلافًا لما لو أنّك قمت به خوفًا من ربّ العمل: فإذا لم أقم بهذا العمل، فإنّ ربّ العمل سيكتشف ذلك، وعليّ الآن أن أُجري هذا الاتّصال الهاتفي، لأنّ ربّ العمل سيعلم بأنّني اتّصلت بالشخص الفلاني، وإلاّ إذا لم أجرِه، فقد يتّصل به ربّ العمل؛ وحينئذ، سيكتشف بأنّني قصّرت في مهمّتي! فما هو الدافع في كلّ ذلك؟ لم يكن الدافع هو نفس العمل، بل كان هو المحافظة على ماء الوجه، وهذا لا يُفيد شيئًا، وهو صفر، ولا يُساوي شروى نقير!
