
علاقة ستر العيوب بالسير والسلوك
تحدث سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني في شرحه لفقرة ولو اطلع اليوم على ذنبي غيرك ما فعلته، ولو خفت تعجيل العقوبة لاجتنبته في الليلة الرابعة عشرة من شهر رمضان المبارك لعام 1437هـ، حول النقاط التالية: نشوء الستارية من مقام الكرم الإلهي. قصة علي الأصغر عليه السلام دليل على حقانية كربلاء. اختلاف الحكم على العاصي بحسب اختلاف ظروفه. ترتب الحدود على مقام الإثبات لا الثبوت. تأكيد الأولياء على مسألة ستارية العيوب. كيفية تأثير ستر العيوب في سير الإنسان وسلوكه. الأمن من تعجيل العقوبة سبب آخر للجرأة على ارتكاب الذنوب. الجهل وعلاقته بارتكاب المعاصي
علاقة ستر العيوب بالسير والسلوك
4ففي ذلك العصر، كان هناك القوس والسهم والسيف والحجارة، والآن هناك أمور أخرى؛ وعلى الإنسان في خضمّ هذه الأحداث أن يرى إلى أيّ طرف من هذين الطرفين يميل، فيختبر نفسه ويمتحنها.
في أحد الأيّام، سأل أحد الرفقاء المرحوم العلاّمة: كيف يتسنّى للإنسان أن يعلم بأنّه يتقدّم [في السير والسلوك] أم لا؟ فأجابه قائلاً: المسألة بسيطة جدًّا! على المرء أن ينظر إلى نفسه، ليرى هل صار شوقه تجاه هذا الطريق أكثر أو أقلّ، وهل أضحى اشتياقه، ميله، رغبته، ثباته، استقامته، عشقه، محبّته وصموده أكثر أم أقلّ.. وبوسعه معرفة ذلك.
فجميع هذه الأوصاف الإلهيّة الجماليّة مترشّحة عن ذات واحدة كريمة؛ لأنّ الكريم لا يترشّح عنه ولا يظهر منه إلاّ الكرم، والشخص الذي يكون كريمًا في جميع الأبعاد: في البذل والعطاء، في الرحمة والعطف، في الصفح والستر، في الجود، في الرزق، في العلم، في الرحمة، فإنّ جميع هذه الأوصاف يُشاهدها الإنسان في ذات الحقّ تعالى.
هذا فيما يخصّ الجهة الأولى التي تتعلّق بأنّ الله تعالى لا يرغب في إفشاء عيوب عباده، وإبدائها أمام الملأ العامّ.
اختلاف الحكم على العاصي بحسب اختلاف ظروفه
وأمّا بالنسبة للجهة الثانية، فإنّ الله تعالى يعلم بذاته ما الذي خلق، ومطّلع أكثر على أوضاعنا وأوضاع مخلوقاته، ويعلم بأنّ هذا هو حال الإنسان، وأنّه خطّاء، وبأنّ تعلّق الإنسان بعالم المادّة وتوجّهه إلى عالم الظاهر ـ مع جهله بالحقائق ـ يوقعه في الأخطاء؛ لا سيّما وأنّ الناس يختلفون مع بعضهم البعض في هذا المجال، وكلّ شخص محكوم بظروفه الخاصّة؛ فلا يُمكننا أن نضع جميع الناس في خانة واحدة! لأنّ لكلّ واحد مكانته الخاصّة؛ فإذا ما صدرت مخالفة واحدة من ثلاثة أشخاص، فلن يكون بمقدورنا أن نحكم عليهم بحكم واحد؛ لأنّ لكلّ واحد منهم حكمه الخاصّ بحسب الظروف الخاصّة التي يعيشها.
في أحد الأيّام، كان أمير المؤمنين عليه السلام جالسًا بالمسجد، فدخلت عليه فجأةً امرأة، وقالت له: يا علي، أقم عليّ حكم الله! فقال لها عليه السلام: وما الذي ارتكبته؟ قالت: ارتكبت معصية [الظاهر أنّه الزنا والعياذ بالله]، فقال لها: اذهبي لحال سبيلك، لقد اختلط عليك الأمر! ما الذي أكلتيه في الصباح حتّى اضطربت أحوالك؟!!! هل انخفضت أو ارتفعت درجة حرارتك؟!! اذهبي لحال سبيلك! لماذا تهذين في الكلام؟! فذهبت تلك المرأة، ثمّ رجعت مرّة أخرى: يا علي، لقد... فقال لها: قومي لحال سبيلك، ولا تنبسي بكلمة، فأنا لم أسمع شيئًا!
