
أهميّة ستر العيوب وخطورة إفشائها
في معرض شرحه جملة فلو اطلع اليوم على ذنبي غيرك ما عصيتك، تعرّض سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني، لمسألة اجتماعيّة مهمّة، وهي مسألة إفشاء عيوب الآخرين، والترصّد لهم، وتعييرهم بها، وبيّن كيف أنّ من خلق الله عزّ وجلّ ستر العيوب لا إفشاؤها، فتعرّض لفلسفة ستّاريّة الله ولماذا هو ستّار؟ وبيّن منشأ صفة الستاريّة عنده عزّ وجلّ، كما تعرّض للآثار السيّئة التي تحصل بسبب إفشاء العيوب والتعيير بها.
أهميّة ستر العيوب وخطورة إفشائها
3وأمّا قوله عليه السلام: «و لو خِفتُ تعجيل العقوبة لاجتنبتُه» فهي تتحدّث عن موضوع آخر سوف نتحدّث عنه لاحقًا، وسنركّز حديثنا اليوم على الفقرة الأولى التي يقول فيها الإمام عليه السلام: إنّ علمي أنّك أنت وحدك الذي تعلم بخطئي جعلني مرتاح البال، لأنّه إذا كنت أنت الذي تعلم بأمري، فلا بأس، والمهمّ ألا يطّلع غيرك عليه؛ لأنّك لن تفضحني، ولن تعلن للناس قائلاً: «أيّها الخلائق، اعلموا إنّ عبدي فلان قد ارتكب الذنب الكذائي، والحرام الكذائي»، كلّا، فالله ليس بهذا النحو، والله لا يتصرّف بهذا الشكل، بل هو يستر العيوب وهذه المسألة تحتوي على جنبة توحيديّة، كما أنّ لها جنبة فلسفيّة.
أهميّة ستر العيوب من الجنبة الفلسفيّة
أمّا جنبته الفلسفيّة فتتمثّل في أنّ نظام عالم الوجود قائمٌ بأسره على أساس الخير، وفي أنّ غلبة جانب الرحمة على جانب الغضب، [وهذه الصفة الواردة في الأدعية:] «يَا مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْء..» ۱ و «اللهُمّ إنّي أسألُكَ بِرَحمْتِكَ التيْ وَسِعَتْ كُلّ شَيءٍ»٢، تتنافى مع مسألة إفشاء العيوب والقبائح والنقائص والظلمة والكدورة والنجاسة؛ فجانب الرحمة الإلهيّة غالبٌ دائمًا على جانب غضبه تعالى؛ ولهذا، فإنّ أثر ذلك في عالم الخارج يتمثّل في إبراز الرحمة والجمال وإخفاء القُبح والنقصان.
«إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُ الْجَمَال»٣؛ أي إنّه يحبّ ظهوره في المظاهر الجماليّة؛ لأنّه أثر من آثاره، أفلا ترون الخطّاط عندما يخطّ شيئًا كيف ينظر إلى خطّه؟ وعندما ينتهي الرسّام من رسم لوحةٍ، فإنّه يضعها أمامه ويشرع بالتحديق فيها، مع أنّه لا معنى لذلك لأنّه هو الذي رسمها! لا، إنّه يستمتع بذلك، ويقول في نفسه: يا للعجب، إنّها عبارة عن أثرٍ من آثاري، وهي نابعةٌ منّي! فهو يرى نفسه وظهوره في هذه اللوحة وهذا الخطّ وهذا الرسم وهذا القوس وهذا التموّج الذي يمنحه لقلمه؛ فيشعر في نفسه بأنّه هو الذي يرتفع إلى الأعلى وينحدر إلى الأسفل، وبأنّه يرسم نفسه؛ وحينما يمدّ اللام ويُرجعها بتلك الكيفيّة الخاصّة، فإنّه يُشاهد نفسه في هذه اللام وبأنّ ذاته قد ارتسمت على هذه الورقة، فتحصل له حالةٌ من الانبساط بسبب ظهوره بهذا النحو.
- مقطع من دعاء الجوشن.
- الفقرة الأولى من دعاء كميل.
- الكافي، ج٦، ص ٤٣۸.
