
معنى البرهان من الله تعالى
لماذا يتجرّأ الإنسان على ارتكاب الذنوب؟ ما هو دور الذنوب في تغيّر علاقة الإنسان بالله تعالى؟ ما معنى البرهان الوارد في قصّة يوسف عليه السلام؟ وكيف يكون رادعًا عن المعاصي؟ ما هي الآثار السلبيّة لتراخي الإنسان في العمل؟ هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى للإجابة عنها في هذه المحاضرة، علاوةً على تطرّقه في ضمن ذلك لتساؤلات وأبحاث أخرى.
معنى البرهان من الله تعالى
3حسنًا، لكن لو فرضنا أنّنا كنّا في مكان آخر؛ نظير مفترق الطرق حيث يضعون كاميرا المراقبة، وكلّ من يتعدّى الخطّ أو يتجاوز السرعة المسموح بها في الشارع، فإنّ هذه الكاميرا تلتقط له صورة، غير أنّ بعض هذه الصور تذهب إلى الأرشيف وتبقى هناك إلى الأبد! ولعلّ ذلك بسبب أنّ رقم السيّارة يختلف عن بقيّة الأرقام!! لكن في بعض المواضع الأخرى، فإنّ فاتورة الغرامة تصل عادةً إلى المنزل قبل أن يصل صاحب السيّارة إليه! فهناك بعض الدول التي تتعامل بشكل سريع مع مثل هذه القضايا؛ فترى الإنسان يذهب إلى منزله ظهرًا، ليكتشف أنّ الفاتورة سبقته إلى المنزل بساعتين؛ ففي مثل هذه الحالة، لن يتجرّأ الإنسان على ارتكاب المخالفة. إنّ ما يُحرّضنا على فعل الحرام هو أنّنا لا نحتمل السرعة في العقاب والمؤاخذة؛ ولهذا ترانا نرتكب المعصية، فنقول في أنفسنا: لا يوجد هناك من يُتابع الأمر!
وفيما يخصّ الحقّ سبحانه وتعالى، فإنّ المسألة هي بهذا النحو أيضًا؛ فلماذا تجدنا نرتكب المعاصي؟ لأنّنا نفعل ذلك في المرّة الأولى، فنرى بأنّه لم يحدث أيّ شيء، ثمّ نكرّره للمرّة الثانية، فنرى أيضًا بأنّه لم يحصل أيّ شيء، مع أنّنا كنّا نتوقّع أن تُقرع رؤوسُنا بعصا من حديد، وهكذا للمرّة الثالثة... فنقول في أنفسنا: يبدو أنّ الملائكة منشغلة جدًّا، فلا يلتفتون إلينا!!! والظاهر أنّ لهم أعمال كثيرة!! فهذا الذي يُؤدّي إلى أن يقلّ قُبح الذنب والمعصية في نفس الإنسان، وأمّا بالنسبة للأولياء والمعصومين والأنبياء، فلا تقليل لديهم في مسألة قُبح المعصية والذنب؛ لأنّ قبح المعصية هي عبارة عن حالة من الكدورة والظلمة تحصل للنفس، وتُؤدّي ـ شئنا أم أبينا ـ إلى التضعيف من الارتباط القائم بين العبد وربّه، فيصير هذا الاتّصال باهتًا وضعيفًا، ويُصبح ذلك الحبل الواصل بين الإنسان وخالقه أرقّ وأرقّ.
الذنوب سبب أساسي في تغيّر حالة اتّصال الإنسان باللـه تعالى
فمن المحال أن يصدر ذنب من الإنسان من دون أن يُؤدّي ذلك إلى إحداث تغيّر في حاله! ولا يُمكن أن يقوم الإنسان باغتياب رفيقه (أو غيره)، ثمّ لا يُفضي ذلك إلى تغّير حاله! ومن المحال أن يتواجد الإنسان في مجلس تُذكر فيه الدنيا، ويُغتاب فيه هذا وذاك، ويكون مملوًّا بالقيل والقال، وتُطرح فيه عيوب الناس، فيقوم الإنسان من هذا المجلس، وتكون حالة اتّصاله [بالله تعالى] مساويةً لحالة الاتّصال التي كان يمتلكها قبل ولوجه للمجلس.. فهذا محال، وغير ممكن بتاتًا! ويُمكنكم أن تُجرّبوا ذلك لو شئتم، بل لا حاجة للتجربة أبدًا؛ لأنّه لا ينبغي على الإنسان أن يُجرّب مثل هذه الأمور من الأساس!! هل التفتّم؟! فلا يمكن حصول هذا الأمر أبدًا، ولا يُمكن للإنسان أن يُقدم على أمرٍ ما بغرض هتك عرض امرئٍ مؤمن، والحطّ منه عند الناس، والتنقيص من منزلته ـ ولو كان بعنوان إلهيّ وباسم التبليغ وأمثال ذلك من الأمور الواهية والخدّاعة التي تندرج في ضمن الحيل الشيطانيّة ـ ، فيظلّ ارتباطه بالله تعالى في تلك الحالة قائمًا.. فهذا محال!
