
مكانة الله في عالم الوجود وموقع الإنسان أمامه
ما هي مكانة الله تعالى في عالم الوجود؟ وما هو موقع الإنسان أمامه؟ وكيف ينبغي أن يتعامل معه؟ وما هي الطرق الدقيقة التي بيّنها الأئمّة عليهم السلام في أدعيتهم والأولياء في كلماتهم حول هذا الموضوع؟. هذا ماا تناوله سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني في هذه المحاضرة من محاضرات شرح دعاء أبي حمزة الثمالي، مستفيدًا من الحديث الشريف اعبد الله كأنك تراه، مبيّنًا مستويين من الشعور بحضور الله، ومستفيدًا من قصّة سؤال السيّد هاشم الحدّاد للمرحوم العلامة الطهراني عن أحد تلامذته ومدى بلوغه إلى رؤية المعطي والآخذ واحدًا في عملية البيع. وأكّد في الختام على ضرورة التعلّق بجانب الرحمة الإلهيّة الواسعة والتوسّل بها كما علمنا الإمام السجّاد عليه السلام.
مكانة الله في عالم الوجود وموقع الإنسان أمامه
19ولهذا السبب نرى كيف يدأب العظماء على بثّ روح الأمل بين تلامذتهم، فهم لا يدعونهم لليأس، بل يدعونهم إلى التفاؤل والسعادة والانبساط والابتهاج والانشراح دائمًا؛ فهكذا هو طريق السلوك، أي على السالك أن يطوي طريقه بروح من الأمل والبهجة؛ فإن تزامن طيّ الطريق مع اليأس، فسيتوقف السالك ويبقى يعيش حال الشكّ واليأس وسوف لن يتمكّن من التقدّم ولو لخطوة واحدة في سيره ما لم يتجاوز هذا الحال؛ فلو صلّى ألف ركعة في الليل، لما كان لها فائدة الركعة الواحدة؛ فيجب طيّ هذا الطريق بروح من الأمل، فهذا الأمل هو بمثابة الوقود لمحرّك السيّارة، فلا يمكن للسيّارة أن تتحرّك لو لم يتم تزويدها بالوقود؛ فهذا الأمل الذي يعمل على دفع الإنسان للحركة والتكامل هو بمثابة ذلك الوقود.
لذا نرى الأئمة والعظماء يتضرّعون إلى الله في مناجاتهم ويبكون ويقولون: إلهي نحن لا نرى لأنفسنا وجودًا ولسنا بشيء، بل نحن عدم محض، ولا يمكن أن نحسب لأنفسنا في قبال وجودك حسابًا، ولا نرى لنا أيّة قدرة وليس لنا حقيقة أو وجود أو هوية مستقلّة، وفي نفس هذا الوقت نراهم يطرقون باب الرحمة، فيقولون: إلهي ما الذي يحلّ بنا إن لم تشملنا رحمتك وعفوك وهدايتك؛ فدائمًا ما يتكلّمون عن الرحمة، لا تراهم يتطرّقون إلى موضوع العقاب، بل هم ينادون الله بصفات الرحمة والعفو والعظمة والتغاضي والإغماض، ويطلبون منه أن يأخذ بأيديهم في طريق الهداية وأن يوصلهم إلى غايتهم.
هنالك الكثير ممّا يمكن أن يُقال في هذا المجال من النكات الدقيقة؛ فهناك طرق لجعل هذه المسألة وهذه الحقيقة وجدانيّة، فيشعر بها الإنسان ويلمسها، ولله طرق مختلفة من خلالها يوصل الإنسان إلى هذه الحقيقة وجدانًا، كلّ بحسب ما يناسبه؛ فقد يرتكب الإنسان ذنبًا، ثمّ يتعجّب بعدها من صدور مثل هذا الذنب منه، فتراه يقول: كم أنا عاجز وضعيف بحيث لم أستطع السيطرة على نفسي، وكم أنا عبد لأهوائي النفسيّة بحيث لم أتمكّن من الامتناع عن القيام بذلك العمل.
ففي مثل هذه الحالة، فإن أراد الإنسان الاستمرار في الطريق الذي انتخبه لنفسه، فستراه يسعى إلى التنصّل عن دوره فيما حصل ويقوم بإلقاء المسؤوليّة على عاتق الشيطان، فيقول: ها قد أغواني الشيطان! [فسيُقال له هنا:] وما للشيطان المسكين ولك حتّى يأتي إلى بيتك ليغويك، بل أنت الذي تُعلِّم الشيطان كيفيّة الغواية؛ فتراه يُلقي بالمسؤوليّة على عاتق الشيطان، فيقول: لقد أغواني الشيطان!
