
مكانة الله في عالم الوجود وموقع الإنسان أمامه
ما هي مكانة الله تعالى في عالم الوجود؟ وما هو موقع الإنسان أمامه؟ وكيف ينبغي أن يتعامل معه؟ وما هي الطرق الدقيقة التي بيّنها الأئمّة عليهم السلام في أدعيتهم والأولياء في كلماتهم حول هذا الموضوع؟. هذا ماا تناوله سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني في هذه المحاضرة من محاضرات شرح دعاء أبي حمزة الثمالي، مستفيدًا من الحديث الشريف اعبد الله كأنك تراه، مبيّنًا مستويين من الشعور بحضور الله، ومستفيدًا من قصّة سؤال السيّد هاشم الحدّاد للمرحوم العلامة الطهراني عن أحد تلامذته ومدى بلوغه إلى رؤية المعطي والآخذ واحدًا في عملية البيع. وأكّد في الختام على ضرورة التعلّق بجانب الرحمة الإلهيّة الواسعة والتوسّل بها كما علمنا الإمام السجّاد عليه السلام.
مكانة الله في عالم الوجود وموقع الإنسان أمامه
14[فإن أردنا عزل أنفسنا عن عالم الوجود،] فسيكون مَثلنا مَثَلَ من يقوم بإخراج جميع الموجودين في هذه الحسينيّة، ثمّ ينادي بأعلى صوته: يا أيّها الناس اعلموا بأنَّه لا وجود لأحدٍ في هذه الحسينيّة؛ فماذا عنك أنت؟ فهل أنت موجود أم غير موجود؟ فقد تقول مرّة: لا يوجد في هذه الحسينية أحدٌ غيري، فسيكون كلامك صحيحًا والحال هذه، أمّا أن تقول: لا يوجد في هذه الساعة أيّ أحدٍ في هذه الحسينيّة، فلن يكون كلامك صادقًا، وستكون قد ناقضت نفسك بنفسك.
فإن كنَّا معتقدين بصمديّة الله، ومعتقدين بأنَّ هذه الصمديّة هي عامّة وشاملة لجميع الممكنات، وهي صمديّة مطلقة تشمل جميع الممكنات، فسنكون نحن جزءًا منها حينئذٍ؛ فلمّا كنَّا نحن جزءًا منها، فكيف يجب أن تكون طبيعة تفكيرنا في هذه الحالة؟ يأتي الإمام السجّاد هنا ليقول لنا: لا تحسب لنفسك حسابًا، بل أنت جزء من هذه السلسلة المتّصلة لعالم الوجود الشاملة لجميع ما سوى الله، الذي أنت جزء منها؛ لا أنك تعتزل جانبًا وتقف موقف المتفرّج، بل أنت موجود كجزء من هذا القانون السائد وجزء من هذا البناء، فأنت موجود؛ فما دمت موجودًا، فتعال إذًا واستمدّ من فكرك، واستعن بقواك العقليّة لمعرفة قيمتك ومكانتك، وذلك لكي يُعينك الله على إدراك حقيقة الأمر. فيقول الإمام هنا: على كلّ واحد منَّا أن يشعر بكونه صفرًا في مقابل عظمة وجود الله، فهذا ما يتعلّق بالمرتبة الأولى من الأمر.
الحالة الثانية: طلب المعاملة باللطف والرحمة وحسن الظنّ بالله
أمّا ما يتعلّق منه بالمرتبة الثانية: فنرى الإمام عليه السلام يقول: فما دمت صفرًا فعليك أن تجعل شيئًا آخرَ نصب عينيك، فما هو ذلك الشيء؟ ما دمت صفرًا، فعليَّ عندما أقف بين يدي الله أن أطلب منه أحد هذين الأمرين، فإمّا أن أقول له: تستطيع يا ربِّ أن تعاقبني وتوبّخني وتعاملني بغضبك وقهرك، فأنا أستحقّ كلّ ذلك؛ إذ إنَّ الله لا يتعامل مع عباده إلاّ بواحدٍ من هذين الأمرين الذين لا ثالث لهما، فهو إمّا أن يعاملهم بنقمته وغضبه وتوبيخه لهم، أو أن يعاملهم برحمته وبركته ولطفه وكرمه وعفوه.
