
مكانة الله في عالم الوجود وموقع الإنسان أمامه
ما هي مكانة الله تعالى في عالم الوجود؟ وما هو موقع الإنسان أمامه؟ وكيف ينبغي أن يتعامل معه؟ وما هي الطرق الدقيقة التي بيّنها الأئمّة عليهم السلام في أدعيتهم والأولياء في كلماتهم حول هذا الموضوع؟. هذا ماا تناوله سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني في هذه المحاضرة من محاضرات شرح دعاء أبي حمزة الثمالي، مستفيدًا من الحديث الشريف اعبد الله كأنك تراه، مبيّنًا مستويين من الشعور بحضور الله، ومستفيدًا من قصّة سؤال السيّد هاشم الحدّاد للمرحوم العلامة الطهراني عن أحد تلامذته ومدى بلوغه إلى رؤية المعطي والآخذ واحدًا في عملية البيع. وأكّد في الختام على ضرورة التعلّق بجانب الرحمة الإلهيّة الواسعة والتوسّل بها كما علمنا الإمام السجّاد عليه السلام.
مكانة الله في عالم الوجود وموقع الإنسان أمامه
12فلماذا تريد أن تغشّ الطرف الآخر؟ ولماذا الكذب؟ ولماذا تقسم قسمًا كاذبًا؟
وهذا الأمر لا يختصّ بالمعاملة التجاريّة فقط، بل ويشمل كافّة نشاطات الحياة اليوميّة؛ فعلى سبيل المثال عندما تجلس خلف طاولة الرئاسة فلماذا تكذب؟ ولماذا تراوغ وتخدع؟ ولماذا تعمل على الإيقاع بخصمك؟
فلو كان الشخص يشارك في هذا المجلس بهذه النيّة ألن تتغيّر طريقة كلامه؟! ولو شارك الشخص في هذه الجلسة بهذه النظرة ألن تتغيّر تصرّفاته؟! محال أن لا تتغيّر.
ما تكلّمنا عنه كان يتعلّق بموضوع البيع والشراء، وهو ينطبق أيضًا على كيفيّة التعامل مع الآخرين، وكذلك على كيفيّة التعامل في إطار العمل بين الرئيس والمرؤوسين، وبين الموظّف والمراجعين؛ فكلّ في محلّه الخاصّ به. ولذا فقد جاء في الروايات بأنَّك إذا أردت مساعدة فقير، فعليك أن تعلم بأنَّ يد الله هي التي تستلم منك النقود أو أيّ شيء آخر تعطيه؛ أي عليك أن تعلم بأنَّ يد الفقير هي يد الله؛ وأيضًا من التوصيات أنه لا تسلّم المساعدة للفقير بل عليك أن تدعها في يدك ليقوم هو بأخذها من يدك.
فنفس هذا المطلب الذي يذكره رسول الله يبيّنه العارف بهذه الكيفيّة، وبهذه العبارات، وذلك لأنَّه قد أدرك هذا الأمر في نفسه، فبعد أن أدرك الأمر في نفسه يأتي هنا ليوضّح لنا المراد من كلام رسول الله أو الإمام عليهما السلام، فيقول معناه هو: إنَّ المعطي والمستلم واحد، فالمعطي هو الله، والمستلم هو الله أيضًا.
فلو كان الشخص يرى الأمور بهذه الكيفيّة فلماذا الكذب؟ ولماذا المعصية؟ ولماذا أسعى لطمس الحقائق؟ ولماذا أقوم ببيان نصف الحقيقة وإخفاء نصفها الآخر؟ ولماذا أقوم بحفظ سرّ كنت قد اطلعت عليه، لأقوم بإفشائه في وقته المناسب؟ فلماذا أعمل على إفشاء أسرار الآخرين؟ وما هو السرّ الذي أريد إفشاءه؟ فإن كان الأمر كذلك، وإن كان أفق معرفتنا عند هذا الحدّ، فلا معنى لهذه الأمور بعد!
ولكن بما أنّ أفق معرفتنا ليس عند هذا الحدّ، ولما كنَّا نقوم بمثل تلك الأعمال، فهل يمكننا والحال هذه أن ندّعي بأنَّ تلك الأعمال التي نقوم بها هي أعمال رحمانيّة؟ كلاّ، لا يمكن القبول بهذا، فالعمل الرحمانيّ، والعمل المؤيّد من قبل الملائكة وعالم الغيب والعالم الربوبي، هو ذلك العمل الذي يكون وفقًا لما يأمر به أولياء الله، والذي يتطابق مع البرامج السلوكيّة الصادرة منهم؛ فإن كان الأمر كذلك، فأيّ تسمية نستطيع أن نطلق على ما يقابلها من الأعمال التي نراها تصدر عن الآخرين، فهل يمكن القول بأنَّها أعمال رحمانيّة أيضًا؟ كلّا بالطبع، فلا يمكن تسميتها بالأعمال الرحمانيّة، فماذا يُطلق عليها إذًا؟ إنَّها أعمال شيطانيّة؛ نعم، إنَّها وبأجمعها تكون من الأعمال الشيطانيّة؛ فلا يمكن أن يجتمع الملَك والشيطان في مكان واحد، فذلك المكان إمّا أن يكون محلًا لنزول الملك أو نزول الشيطان.
