
مكانة الله في عالم الوجود وموقع الإنسان أمامه
ما هي مكانة الله تعالى في عالم الوجود؟ وما هو موقع الإنسان أمامه؟ وكيف ينبغي أن يتعامل معه؟ وما هي الطرق الدقيقة التي بيّنها الأئمّة عليهم السلام في أدعيتهم والأولياء في كلماتهم حول هذا الموضوع؟. هذا ماا تناوله سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني في هذه المحاضرة من محاضرات شرح دعاء أبي حمزة الثمالي، مستفيدًا من الحديث الشريف اعبد الله كأنك تراه، مبيّنًا مستويين من الشعور بحضور الله، ومستفيدًا من قصّة سؤال السيّد هاشم الحدّاد للمرحوم العلامة الطهراني عن أحد تلامذته ومدى بلوغه إلى رؤية المعطي والآخذ واحدًا في عملية البيع. وأكّد في الختام على ضرورة التعلّق بجانب الرحمة الإلهيّة الواسعة والتوسّل بها كما علمنا الإمام السجّاد عليه السلام.
مكانة الله في عالم الوجود وموقع الإنسان أمامه
10ففي الحالة الأولى سنكون سعداء بإعطائنا الفقير شيئًا، فهذا العطاء سيكون عاملًا لدفع البلاء عنَّا، وهو إعطاء وقع في محلّه وذلك بكون منْ ناله العطاء محتاجًا؛ ففي مثل هذه الحالة سيفرح الإنسان بكون الله قد وفّقه للقيام بعمل الخير هذا، فهو يرى هذا العطاء من الله أيضًا؛ فهذا أمر، غير أنَّ هنالك أمرًا آخرًا وهو أن يرى ـ وفي نفس الوقت الذي يقوم فيه بالإنفاق ـ بأنَّ الذي قام بهذا الإنفاق غيره لا هو؛ فسيكون التفاوت بين هاتين الحالتين كالتفاوت بين السماء والأرض، فسيكون له من التأثير على القلب ما للصاعقة والرعد والبرق من تأثير، لا كتأثير هطول المطر قطرة قطرة، فهو سيعمل على إحراق كيان الأنا والتعلّقات النفسيّة للإنسان وتدميرها بالكامل.
قصّة سؤال السيّد الحدّاد للمرحوم العلامة عن بائع القماش ورؤيته التوحيديّة في البيع والشراء
كنَّا جالسين لدى السيِّد الحدّاد في كربلاء بعد عودتنا من الحجّ في ذلك السفر الذي ذكره المرحوم العلاّمة في كتاب الروح المجرّد، فسأل السيِّد الحدّاد المرحوم العلاّمة عن أحد الإخوة ـ وهو من الأصدقاء ولا يزال على قيد الحياة والحمد لله، نسأل الله له التوفيق؛ لقد كان من تلامذة السيِّد الحدّاد السابقين وكان يعمل كبائع للقماش ـ قائلًا: كيف حاله؟ فقال له المرحوم العلاّمة: لقد أدرك الأمر إلى حدٍّ ما، وهذا الأمر لن يتركه وحاله بعد الآن؛ فقال السيِّد الحدّاد: وهل أدرك أيضًا بأنَّ المعطي والآخذ كلاهما واحد؟ أي هل توصّل ذاك البائع الذي يقف في محلّه، ويذرع القماش ويبيعه للمشتري ويستلم قيمته منه، هل توصّل إلى أنَّ معطي القماش والبضاعة والمشتري الذي يقوم بدفع المال كلاهما واحد؟ فقال له المرحوم العلاّمة: لا لم يتوصّل إلى هذا الأمر؛ فقال السيِّد الحدّاد: إن لم يتوصّل إلى هذا الأمر، فلا فائدة من ذلك والحال هذه.
سعي أولياء اللـه في أخذ الآخرين إلى آفاقهم
أترون كيف أنَّ أولياء الله يعيشون في أُفق آخر؛ بل وما هو الأكثر أهمية من ذلك هو كيف أنَّهم يحاولون إلحاقنا بهم إلى ذلك الأفق الذي يعيشون فيه؛ فهم لا يقتنعون لأنفسهم بأن يعيشوا في ذلك الأفق ويتركون الآخرين حيث هم غير مبالين بهم، قائلين: ما دمنا نحن قد علمنا، وبما أننا نتقدّم في سيرنا، فلا شأن لنا بالآخرين وسواء أسلكوا نفس طريقنا أم لم يسلكوا، فها نحن نجلس على تلك المائدة التي أعدّها الله لنا، فإن شاء الآخرون أن يشاركونا، فليأتوا وليتناولوا منها، وإلاّ فدعهم يبقون على جوعهم؛ كلاّ، ليسوا كذلك، وذلك لأنَّ نظرة الوليّ الإلهي والعارف بالله ورحمته وعطفه عامة وشاملة للجميع، فهو ليس سوى ظهور وتجلٍّ لرأفة الله ورحمته وكرمه وفضله، وهو عام وشامل لجميع المخلوقات.
