
التوحيد الأفعالي للواجب تعالى، توضيح النظرية
تناول سماحة السيد محمد محسن في هذه المحاضرة مسألة التوحيد الأفعالي للباري تعالى، محاولاً توضيحها قدر المستطاع بالأمثلة، منبّهاً بأنّ توضيحها بالشكل المطلوب قد يستغرق شهراً كاملاً، كما تعرّض إلى ضرورة الابتعاد عن تزيين المساجد وزخرفتها. وأهم مواضيع المحاضرة هي: الله تعالى هو مصدر كل شيء في عالم الوجود ضرورة المحافظة على روحية المساجد وعدم تزويقها وزخرفتها مراعاة عدم وضع الإنسان أمامه ما يوجب التشتّت في صلاته مراعاة الأدب مع الله تقتضي عدم الالتفات إلى غيره عدم الإطاعة الواقعية للوليّ توجب التوقّف عن السير كل ما في الوجود هو عبارة عن ذات الباري تعالى متى ننسب الأفعال إلى أنفسنا ومتى ننسبها إلى الله من ثمرات مسألة البقاء بعد الفناء أن لا يرى السالك في نفسه الرغبة للمعصية العمل الموجب لكدورة النفس يجب الابتعاد عنه وإن لم يرد دليل على حرمته
التوحيد الأفعالي للواجب تعالى، توضيح النظرية
2أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيم
بسمِ الله الرحمنِ الرحيم
وصلّى الله على سيِّدنا ونَبيِّنا أبي القاسم محمّدٍ
وعلى أهل بيته الطاهرين واللعنة على أعدائِهم أجمعينَ
«هَبْنِي بَفَضْلِكَ وَتَصَدَّقْ عَلَيَّ بِعَفْوِكَ؛ أَيْ رَبِّ، جَلِّلْنِي بِسِتْرِكَ وَاعْفُ عَنْ تَوْبِيخِي بِكَرَمِ وَجْهِكَ»
تقدَّم الحديث في الليالي الماضية عن هذا الموضوع وقلنا بأنَّ هذه الفقرات من الدعاء تتضمّن نكتتين مهمّتين، تتعلّق إحداهما بالله تعالى، وتتعلّق الأخرى ـ والتي تتضمّن بدورها مسألتين ـ بنا نحن. فأمّا النكتة المتعلّقة بالله فهي: إنَّ الله هو حقيقة وأصل ومصدر كلّ شيء في العالم، فجميع تلك الآثار والخصائص التي نشاهدها فيه تنشأ من ذلك المصدر وتنبع من ذلك المنبع.
كان لبعض الأصدقاء أسئلة حول ما تم التحدّث عنه في الليالي الماضية، فلقد طرح عليّ بعضهم أسئلته بشكل مباشر، بينما أرسل البعض الآخر رسائل. والسؤال المطروح هو: إنَّكم تؤكِّدون على أنَّ كلّ ما يحصل في هذا العالم هو من الله، وبناءً على هذا سيكون الله هو مصدر الشرّ أيضاً، إذ لا يمكننا أن نقبل بنصف الأمر وننكر نصفه الآخر؛ فنحن نقبل بأنّ الله هو مصدر الخير عندما نقول: أنت مصدر كلّ خيرٍ يا ربِّ؛ لأنَّك أصل وأساس كلّ شيء في هذا العالم، وإرادة جميع الخلائق مندكّة في إرادتك، وما لديهم من قدرة وقابلية فهي منك وحدك.
اللـه تعالى هو مصدر كل شيء في عالم الوجود
إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نكون مشركين بقبولنا لهذا الجزء من الأمر فقط؟ عندما نقول: أنت مصدر كلّ خير يا ربّنا؛ فسيعترض الله علينا ويقول: كيف تقولون بأنّني أنا مصدر كلّ شيء، والحال أنّكم لا تنسبون إليَّ الجزء الآخر من الأمر؟
فإن كان الله هو مصدر كلّ قدرة في العالم ومصدر جميع الأفعال، فلماذا لا نريح أنفسنا ونكون موحّدين بشكل كامل، ونقول: أنت يا ربِّ مصدر كلّ من الخير والشرّ معاً؛ ثم نتمتّع بكامل حرّيتنا ونفعل كلّ ما يحلو لنا؟! إذ كل ما يحصل في العالم، فهو صادر منه هو!!
أتذكّر بأنَّني كنت في السابعة أو الثامنة من العمر، وكنتُ طالباً في الصف الثاني الابتدائي، عدّتُ من المدرسة في أحد أيّام الشتاء، ودخلت غرفة الاستقبال ـ كان ذلك في منزلنا الواقع في منطقة الأحمدية ـ فوجدّت المرحوم العلاّمة وبعض أصدقائه في ذلك الوقت ـ وهم المرحوم الحاج إسماعيل الدولابي والمرحوم المهندس تناوش رحمه الله والبعض ممن لا يزالون بحمد الله على قيد الحياة والذين كانوا يرتبطون بعلاقة وثيقة مع المرحوم العلاّمة في حينها ـ وجدّتهم جالسين حول الكرسي۱، فجلستُ قربهم، وكان حديثهم يدور حول هذه الأبيات من شعر سعدي الشيرازي:
- الكرسي هو مدفأة قديمة كانت تستخدم في إيران، وهي عبارة عن طاولة يوضع تحتها موقد وتغطّى بغطاء، ويجلس حولها بعد تغطية اليدين والرجلين بالغطاء. [المترجم]
