
التوحيد الأفعالي للواجب تعالى، توضيح النظرية
تناول سماحة السيد محمد محسن في هذه المحاضرة مسألة التوحيد الأفعالي للباري تعالى، محاولاً توضيحها قدر المستطاع بالأمثلة، منبّهاً بأنّ توضيحها بالشكل المطلوب قد يستغرق شهراً كاملاً، كما تعرّض إلى ضرورة الابتعاد عن تزيين المساجد وزخرفتها. وأهم مواضيع المحاضرة هي: الله تعالى هو مصدر كل شيء في عالم الوجود ضرورة المحافظة على روحية المساجد وعدم تزويقها وزخرفتها مراعاة عدم وضع الإنسان أمامه ما يوجب التشتّت في صلاته مراعاة الأدب مع الله تقتضي عدم الالتفات إلى غيره عدم الإطاعة الواقعية للوليّ توجب التوقّف عن السير كل ما في الوجود هو عبارة عن ذات الباري تعالى متى ننسب الأفعال إلى أنفسنا ومتى ننسبها إلى الله من ثمرات مسألة البقاء بعد الفناء أن لا يرى السالك في نفسه الرغبة للمعصية العمل الموجب لكدورة النفس يجب الابتعاد عنه وإن لم يرد دليل على حرمته
التوحيد الأفعالي للواجب تعالى، توضيح النظرية
19لقد رأى نبيّ الله يوسف بأنَّه إن أقدم على ذلك الفعل، فسيفقد كلّ شيء، فهذا هو معنى الآية الكريمة: ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾۱. يقول الله تعالى في هذه الآية: لقد أريتُ يوسف قُبح المعصية وما ستسبّبه له من البعد عن ساحتي، فقلت له: إن كنت تريد القرب منِّي، فعليك أن تجتنب فعل هذا الفعل، وإن كنت تريد البعد افعله! ولن أدع أحدًا يطّلع عليك؛ حيث كانت تلك المرأة قد أوصدت الأبواب وأقفلتها بأربعين قفلاً، بحيث لو حاول ألف جندي فتحها، لما تمكّنوا من ذلك.
العمل الموجب لكدورة النفس يجب الابتعاد عنه وإن لم يرد دليل على حرمته
ولكن عليك أن تعرف بأنَّ عملك موجود.. فحتى لو فرضنا أنّني غير موجود وأنّ الملكين الموكّلين بكتابة أعمالك والجالسين عن يمينك وشمالك غير موجودين، ولكن ماذا عن عملك؟ فهل له وجود أم لا؟ لا شأن لنا الآن بالملائكة، فافرض بأنَّهم سيُغمضون أعينهم ولن يروا ما ستقوم به، ولكن ماذا ستفعل بعملك؟ نعم، لو كنتَ قادرًا على القيام بتصرّفٍ ما، تزيل به القُبح والدَنَس عن باطن ذلك العمل، فافعله! لا إشكال في ذلك. نعم، إن لم يؤدِّ عملك إلى تكدّر نفسك وخاطرك، افعله! وسيكون ذلك العمل مباحًا شرعًا؛ باعتبار أنّ العمل المحرّم شرعًا هو العمل الذي يبعث على إيجاد الكدورة في نفس الإنسان، والعمل المكروه كذلك على اختلاف شدّة الكدورة، أما العمل الذي لا يبعث على تكدّر النفس ولا يوجب ابتعاد العبد عن ربّه، فلا يكون حرامًا أو مكروهًا من الناحية الشرعية. وهذا من قواعد الأصول والاستنباط المهمّة، والتي تفيد أنَّه وإن لم يكن هناك رواية تشير إلى حرمة عملٍ ما، ولكن كان الإتيان بذلك العمل موجبًا لحصول كدورة في نفس المكلّف، فيجب عليه الامتناع عنه، ولا يمكنه في مثل هذه الحالة التمسّك بقاعدة البراءة والإباحة والقول بأنّه لا إشكال في الإتيان بذلك العمل من الناحية الظاهريّة، والقول بإمكانيّة إجراء الحكم الظاهري في مثل هذه الحالة.
كيف يمكن الالتزام بالبراءة والحال أنّ المكلّف يشعر في نفسه بتكدّر حاله وحصول انقباض روحي لديه، وفقدانه النورانيّة بإتيانه بمثل هذا العمل؟! فكيف تُبيحون الإتيان بهذا العمل لمجرّد عدم العثور على دليل يحرّمه؟ فعندما يلمس المكلّف هذا الأمر بنفسه ـ وهو أمر وجدانيّ ليس من قبيل اللغز المعقّد الذي يصعب حلّه ـ يستطيع معرفة التكليف المترتّب عليه.
- سورة يوسف (۱٢)، جزء من الآية ٢٤.
