
التوحيد الأفعالي للواجب تعالى، توضيح النظرية
تناول سماحة السيد محمد محسن في هذه المحاضرة مسألة التوحيد الأفعالي للباري تعالى، محاولاً توضيحها قدر المستطاع بالأمثلة، منبّهاً بأنّ توضيحها بالشكل المطلوب قد يستغرق شهراً كاملاً، كما تعرّض إلى ضرورة الابتعاد عن تزيين المساجد وزخرفتها. وأهم مواضيع المحاضرة هي: الله تعالى هو مصدر كل شيء في عالم الوجود ضرورة المحافظة على روحية المساجد وعدم تزويقها وزخرفتها مراعاة عدم وضع الإنسان أمامه ما يوجب التشتّت في صلاته مراعاة الأدب مع الله تقتضي عدم الالتفات إلى غيره عدم الإطاعة الواقعية للوليّ توجب التوقّف عن السير كل ما في الوجود هو عبارة عن ذات الباري تعالى متى ننسب الأفعال إلى أنفسنا ومتى ننسبها إلى الله من ثمرات مسألة البقاء بعد الفناء أن لا يرى السالك في نفسه الرغبة للمعصية العمل الموجب لكدورة النفس يجب الابتعاد عنه وإن لم يرد دليل على حرمته
التوحيد الأفعالي للواجب تعالى، توضيح النظرية
13أمّا ما يتعلّق بموضوع الخلق وتجلّي الله فالأمر مختلف؛ إذ لا يمكن أن يكون الأمر بحيث إذا تجلّى ظهور معين من ذلك المبدأ وتلك الحقيقة البسيطة ومن وجود الحق في الخارج، سوف تنقطع علاقته بمبدئه ويتحوّل إلى وجود مستقلّ عن خالقه، بحيث يصير لدينا وجودان منفصلان عن بعضهما البعض، وإلا سيكون ذلك مصداقًا للولادة التي نفتها الآية «لَمْ يَلِدْ» من سورة التوحيد. فموضوع الخلق لا يشبه موضوع الطاقّة التي تفقد علاقتها بالمحطّة عندما يتم استهلاكها في الجهاز الكهربائي، بل عندما يخلق الله خلقًا معيّنًا، فلن يكون ذلك المخلوق بمثابة المروحة التي تحوّلت فيها الطاقّة الكهربائية إلى حركة ليس لها أيّة علاقة بالمصدر الذي تتغذّى منه. بل الأمر في موضوع الخلق هو بالقول بأنَّ استمرارية بقاء هذا الظهور مقترن باستمراريّة بقاء المصدر، وعليه فلو انقطع هذا الاتصال ـ ولو لآنٍ واحد ـ لتبدّل ذلك الظهور إلى عدم محض.
بناءً على هذا يمكن تشبيه هذا الأمر بوقوفك أمام مرآةٍ، فما دمت واقفًا أمامها فسترى صورتك فيها. وتلك الصورة هي ظهورك في المرآة، بحيث أنّك إن تحركتَ جانبًا، ستختفي صورتك ولن يعود لها وجود. فوجود تلك الصورة مقترن بوجودك أمام المرآة دون أن تتحرّك، وإلا فسوف تزول الصورة.
إنّ تجلّي الله في مخلوقاته يتحقّق بهذه الكيفيّة أيضًا؛ فما دام الله موجودًا وإرادته قائمة سيكون هذا التجلّي موجودًا، وأما إذا لم تتعلّق إرادة الله بهذا المخلوق، لما تحقّق له وجود في الخارج. وليس الأمر بحيث إنْ أراد الله خلق شيء خلقه واعتزل جانبًا، فتنشغل مخلوقاته بالأكل والنوم وسائر نشاطاتها اليومية دون أن يكون لها شأن بالله. بل الحق هو أنّ المتجلَّى فيه قائم بالمتجلِّي، والظاهر قائم بالظهور، والمربوط المتدلي قائم بالحقيقة الربطيّة المتدلية؛ حدوثًا وبقاءً، فسيبقى ذلك الاتصال وتلك العلاقة قائمة ما دامت ذات الله ومشيئته وإرادته لهذا الأمر باقية، أما إذا انتفت تلك المشيئة، فلن يكون في الخارج شيئٌ يمكن أن يُطلق عليه لفظ المتجلّى فيه أو المخلوق.
وبناءً على هذا سيكون كلّ من الحدوث والبقاء ـ وهو، أي البقاء، عبارة عن حدوثٍ متسلسل ومتّصل بعضه ببعض ومستمر لا يتخلّله خلل أو فاصلة بين أيّة نقطتين منه ـ عبارة عن حقيقة التجلِّي لذات الله.
