
كيف نتعامل مع أعمالنا الصالحة؟
كيف ينبغي أن نتعامل مع أعمالنا الصالحة؟ و هل تختلف نظرة العرفاء و أولياء الله عن نظرة أهل الظاهر في هذا الموضوع؟ تدور هذه المحاضرة القيمة التي ألقاها سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره حول هذا الموضوع المهم. و من الجدير بالذكر أن هذه المحاضرة ألقيت ليلة الرابع عشر من شهر رمضان لعام 1436 هـ ق.
كيف نتعامل مع أعمالنا الصالحة؟
9يقول العارف: دعْ نفسك وَتعال۱. اعبر عن نفسك وعن وجودك، فليس لك وجود.
ما نبوديم و تقاضامان نبود *** لطف تو ناگفت ى ما مى شنود٢ [يقول: لم يكن لنا وجود، ولا كان ذلك الطلب منَّا، إلاّ أنّ لطفك كان يسمع ما لم نكن قد نطقنا به بعد.]
فمن نكون نحن؟ وأين كنَّا؟ فلم تكن لنا أيّة إرادة؛ ولم يكن لنا وجود لكي نأتي ونتكلّم أو نسمع أو نرى أو نعمل شيئاً أو نتوسّل. أتلاحظون؟! فيقول العارف هنا: أنت وبدلاً من أن تخفّف من حملك ــ بالطبع فهذا المقام هو مقام العشق، فإن حالفني التوفيق، فسأتحدّث عنه في الليالي القادمة ــ تأتي هنا لتقول: إلهي لقد صلّيت هذه الصلاة وأنا لا أعلم فيما إن كنتُ قد صليتها بشكلها الصحيح أم لا؟ وكم منها كان لك، وكم كان فكري مشغولاً بمسائل أخرى في الجزء الآخر منها؟ فتكون بذلك مشوّش الفكر بشكل دائم؛ أو أن تقول: لقد صمت حتّى الغروب يا إلهي، وأنا لا أدري إن كان صيامي على الوجه الذي ترتضيه، أم لا؟ فتكون في حال من التشويش والاضطراب المستمر؛ وكذا الأمر بالنسبة إلى الحج، فأنت تقول: لا أدري إن كانت كتفي اليسرى باتجاه الكعبة، أو أن أحدًا قد اصطدم بي وحرفني عنها؛ ولا أدري إن كان سعيِّي بين الصفا والمروة قد وقع على الوجه الصحيح، أم أنَّني قد استدرت من مكان أبعد؛ ولا أدري إن كان حالي أثناء الطواف وفي عرفات والمشعر ومنى كان على ما أمرت به، أم لا؟ فهكذا هو حال من كان يريد أن يؤدِّي الأحكام على ما يجب أن تكون عليه، فسيكون في حال من التشويش، فهو لا يريد أن يتلف وقته، ولا يمكن له أن يكون لا أُبالياً. وهكذا يجب أن يكون الأمر.
كيف ينظر العارف إلى المشقّات التي يتحمّلها الإنسان في الحج؟
فبدلاً من كلّ هذا التشويش والترديد، أرِح نفسك، وضع عنك كلّ هذه الأحمال وقل: أنا لا شيء، وأنا لا أفهم شيئاً بتاتاً؛ فلا تحسب لي حساباً يا ربِّ. فلا وجود لي لكي تكون لي إرادة الذهاب إلى الحج؛ فمن هو الذي ألقى في ذهني فكرة الذهاب إلى الحج؟ إنَّه أنت؛ فالذهاب إلى الحج كان منك أنت ولا نصيب لي منه؛ ومن الذي منحني تلك الهمّة للذهاب إلى الحج؟ أنت الذي منحتني إيّاها، أم أنَّني قد جئت بها من منزل خالتي؟ أنت الذي منحتني إيّاها؛ فهذه منك أيضاً، ومن الذي منحي المال اللازم للذهاب؟ فانا لا أمتلك مطبعة لطباعة النقود، ثم لو أنَّني كنت امتلك هكذا مطبعة، لكانت تلك النقود، نقوداً مزوّرة ــ أرأيتم كيف يقومون بتزوير النقود ــ على أنَّني لو كنت قد فعلت ذلك، لكان عليّ جلب تلك المطبعة من مكان ما، فليس بمقدوري القيام بالطباعة بدون جهاز، بل لا بدّ من استيراد الجهاز من مكان ما، ولا بدّ من دفع الرسوم الجمركية؛ أو قد يتم إدخاله بدون رسوم... فمهما يكن الأمر، وحتّى ولو أردت الحصول على نقود مزوّرة، فلا بدّ لها من أن تطوي مراحل حتى تصبح النقود جاهزة بين يديّ، فالأمر لا يشبه شراء الخيار واللبن الخاثر ولا صنع الطعام البسيط، بل لا بدّ من طيّ مراحل متعدّدة لكي يتحقّق الأمر في النهاية.
- رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى بحر العلوم، ص ۱٢٤.
- *** المثنوي المعنوي، ج ۱، ص ٢٩.
