
كيف نتعامل مع أعمالنا الصالحة؟
كيف ينبغي أن نتعامل مع أعمالنا الصالحة؟ و هل تختلف نظرة العرفاء و أولياء الله عن نظرة أهل الظاهر في هذا الموضوع؟ تدور هذه المحاضرة القيمة التي ألقاها سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره حول هذا الموضوع المهم. و من الجدير بالذكر أن هذه المحاضرة ألقيت ليلة الرابع عشر من شهر رمضان لعام 1436 هـ ق.
كيف نتعامل مع أعمالنا الصالحة؟
18لقد كان الماضون يقطعون الطريق في أربعة أو خمسة أشهر، وكانوا يأتون بواسطة القافلة ويستخدمون الهودج في ذهابهم إلى مكّة؛ أمّا الآن فها نحن نصل في ظرف ساعتين من الزمان، ونستخدم لطائرة من طراز البوينج الأمريكية الصنع، ونحجز لنا مقعداً في طابقها الأعلى الخاص برجال الأعمال، لأنَّنا متمكنون من ذلك.
لو منح الله الإنسان قدرة الفهم الصحيح، فيكون قد منحه بذلك كلّ شيء. فعلينا أن نطلب من الله أن يمنحنا قابلية الفهم الصحيح للأمور، وعلينا أن نطلب منه المعرفة والدراية والتوفيق. فخطوة واحدة نخطوها بتعقّل، هي أفضل من ألف خطوة نطويها بدون تعقّل وبناءً على ضربة الحظ. فتلك الخطوة المبنية على التعقّل لها تأثيرها على نفس وسرّ وجميع مراتب الإنسان.
أجل، عندما تحدّث سماحته بهذا الكلام، تبدّل كلّ الجوّ الذي كان حاكماً على المجلس.. لقد رأوا أمراً عجيباً، فقبال أيّ شخصيةٍ يجلسون الآن، إنَّهم يواجهون رجلاً يتكلّم معهم من أفق آخر، وكلامة يختلف عمّا يتكلّم به الآخرون؛ فالمفهوم الذي يتكلّم به يتغاير تماماً مع ما يتكلّم به الآخرون، إنّ جوهر كلامه مختلف، فأيّة طريقة هذه؟ إنَّها طريقة العرفاء، فالعارف يقوم بإرجاع كلّ شيء من الأساس إلى صاحبه الأصلي، فيقول: إلهي، ما دمنا قد وردنا الدنيا بهذا الشكل: ﴿وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾۱؛ فمن هو الذي أخرجنا من بطون أمهاتنا؟ إنَّه هو، فهو الذي أخرجنا ونحن لا نعلم شيئاً ولا ندرك شيئاً مما يحيط بنا؛ فمنحنا الإدراك والفهم والتعلّق بالأشياء ومنحنا بقية الصفات، وهو الذي عرّفنا بكل الأمور؛ فما دام الأمر كذلك، فلماذا لا نعود إلى الوراء؟ ولماذا لا نعيد هذه الأمانة إلى صاحبها الأصلي؟ لماذا ترانا لا نفعل ذلك؟ لأنَّنا اعتدنا التعامل مع الكثرة؛ فلقد استولت علينا هذه الكثرة وهذا التعلق والانشغال بالدنيا بالشكل الذي حجب عقولنا عن الوصول إلى الحقيقة.
افرضوا أن عندنا طفلاً بعمر سنة واحدة، فإذا بهذا الطفل يستيقظ من النوم صباحاً ليجد نفسه قادراً على القراءة والكتابة؛ فيبدأ بالقراءة وحلّ المسائل الرياضية؛ وهذا سيكون مدعاةً للتساؤل؛ إذ هل درس هذا الطفل في مكان ما؟ وهل بذل جهداً في التعلّم؟ إنّنا لو رأينا مثل هذا الطفل قد أصبح قادراً على كلّ هذه الأمور، فما الذي كنَّا سنقوله عنه؟ لا شكّ بأنَّنا كنَّا سنعزي ذلك إلى التوفيق الإلهي، فهل يوجد هنالك احتمال آخر؟ فالطفل ذو السنة الواحدة كان نائماً في بيت أهله، وإذا به يستيقظ صباحاً ليمسك القلم بيده ويبدأ بالكتابة، هل يمكن أن يتمّ ذلك؟ لا يمكن أن يحصل ذلك بكلّ تأكيد، فلو حصل شيء كهذا، فما الذي كنَّا سنقوله؟ لا شك بأنَّنا كنَّا سنقول بأنَّ هذا قد حصل من باب الإعجاز، فالذي حصل هو أمر غير طبيعي وخارق للعادة. وهنا نتساءل: لماذا ننظر إلى ما حصل لهذا الطفل ذي السنة الواحدة على أنَّه أمر غير طبيعي، بينما لا نراه كذلك لذلك الذي حصل له هذا الأمر بعد مرور خمسين عاماً؟ لماذا؟ فلقد حصل هذا الأمر في ليلة واحدة، وحصل ذاك خلال فترة خمسين سنة؛ ولكن حقيقة الأمر أنّ كلاهما أمر واحد؛ إذ ما هو التفاوت بينهما؟
- سورة النحل (۱٦)، جزء من الآية ۷۸.
