
كيف نتعامل مع أعمالنا الصالحة؟
كيف ينبغي أن نتعامل مع أعمالنا الصالحة؟ و هل تختلف نظرة العرفاء و أولياء الله عن نظرة أهل الظاهر في هذا الموضوع؟ تدور هذه المحاضرة القيمة التي ألقاها سماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني قدس سره حول هذا الموضوع المهم. و من الجدير بالذكر أن هذه المحاضرة ألقيت ليلة الرابع عشر من شهر رمضان لعام 1436 هـ ق.
كيف نتعامل مع أعمالنا الصالحة؟
15وبعد أن تكلّم المرحوم العلاّمة لمدة ربع ساعة أو عشرين دقيقة أو نصف ساعة، استسلم الجميع واعترفوا قائلين: يا للعجب! لا يمكن مقارنة هذا بما أنفقناه طيلة أعمارنا المديدة في الموارد المختلفة وفي أسفارنا هنا وهناك. و هنا أردف رضوان الله عليه قائلاً: ما دام الأمر بهذا الشكل، فتعالوا نعرض واقع حالنا على الله ونقول: إلهي، نحن لا شيء، ونحن واهون، ولم ننفق أيّ مالٍ ولم نبتعد عن أهلنا وعيالنا، ولم نقم بتعطيل محلاتنا أو مكاتبنا، ولم نقم بأيّ عملٍ شاقٍ يستحقّ الذكر في هذا المقام، بل جئنا يا إلهي بيد خالية؛ وإن كنَّا قد أنفقنا أموالنا، فأنت الذي مننت علينا بها، وإن كنَّا قد قدمنا إلى الحج، فأنت الذي وهبتنا الإرادة للقدوم. ثم قال: ألا تعتبرون قدومكم هذا على أنَّه من توفيق الله لكم؟ قالوا: نعم. قال: كم من شركائكم وزملائكم في العمل والتجارة والحِرف منْ كان متمكّناً من المجيء ولم يأتِ؟ قالوا: يوجد الكثير منهم وإلى ما شاء الله؛ فكم من الناس الأثرياء والذين يتمتعون بالصحة والسلامة والذين يسافرون ألف مرّةٍ إلى هذا البلد أو ذاك ويأكلون ويتمتعون، أمّا عندما يصل الأمر إلى هذه الفريضة الإلهيّة المهمّة للغاية والضرورية والحياتية، تراهم يُعرضون عنها ويقولون: لسنا مستعدّين أن ندفع أموالنا إلى كذا و أمثال ذلك من الأعذار... كم من الناس مَنْ هم على هذه الشاكلة؟! قالوا: يوجد الكثير منهم وإلى ما شاء الله.
فقال سماحته: ألم يكن بمقدور الله أن يسلب عنكم توفيق القدوم لأداء الفريضة ويجعلكم تلازمون مدنكم وبيوتكم مثلهم؟ فلو اقتضت المشيئة الإلهية ذلك، فما الذي كنتم ستفعلونه؟ كان أحدكم سيقول: ليس لي المزاج المناسب للسفر إلى مكّة هذا العام، فلنرى هل يمكنني الذهاب العام القادم أم لا؟ فحالي لا يساعدني على الذهاب هذا العام، هذا في الوقت الذي لم يكن فيه مريضاً أو معانياً من أيّة مشكلةٍ أخرى، مِن الممكن أن يحصل ذلك أم لا؟ قالوا: بلى من الممكن أن يحصل.
فقال: ألا تعتقدون بأنَّ هنالك يداً غيبيةً هي التي دفعتكم لترك بيوتكم وحياتكم اليومية وعملكم، وأوجدت لديكم الشوق إلى هذا السفر؛ اخرج من مدينتك لمدّة شهر وتعال لكي ترى أشياء أخرى؛ فلقد أمضيت عمراً في التردّد بين محل العمل والشارع وشمال المدينة وجنوبها والتعامل مع مختلف أصناف الناس ومع المصارف والصكوك والحسابات، فاخرج من هذا الجوّ لمدة شهرٍ لتخوض هذه التجربة الجديدة وترى بنفسك، فاخلع عنك لمدة شهرٍ هذا القشر وهذا اللباس الذي كنت ترتديه، وأبدله بلباس آخر؛ واخرج من هذه الأجواء المحيطة بك ومن تلك التصوّرات والأوهام التي أنت فيها، فسوف لن تموت بدونها.. تعال يا هذا تعال، وكن مطمئناً من أنَّك ستعود إلى ديارك سالماً معافى، وسوف لن تموت. تعال وانظر لترى ما الذي يجري هناك.. تعال وألق نظرة واحدة على الكعبة لترى هل هي مختلفة عن شوارع طهران وعماراتها أم لا؟ وألق نظرة على جبلي الصفا والمروة لترى حينها هل تختلف عن تلك المتنزهات التي كنت تتنزّه وتمارس الرياضة فيها صباحاً ومساءً، أم لا تختلف عنها؟ وألق نظرة واحدة على صحراء عرفات وجبلها وعلى ليلة المشعر لترى هل هي مختلفة عن تلك الليالي التي كنت تتجوّل فيها بسيارتك في شمال طهران أم لا؟ ما هو الفرق الذي ستلاحظه؟ ألقِ نظرةً على الجوّ الحاكم في منى، لترى هل يختلف عن جولاتك التي كنت تقضيها في الشمال وفي بحر مازندران أم لا؟ لترى بنفسك أيّ فرق ستلاحظ؟ وقم بمقارنة شعورك في كلتا الحالتين، لترى كم هو الفارق وما هو مقدار الامتياز بين الحالتين؛ عسى أن يبعث ذلك على حصول انتفاضة و انقلاب في نفسك، وعسى أن تكسب منه شيئاً. لا تبقَ أسير ذلك الجوّ دائماً؛ ولا تبقَ أسير أجواء المتنزهات وشمال طهران، بل تعال لترى هذا المكان، تعال لترى جبل عرفة، تعال لترى صحراء المشعر وليلتها، تعال وشاهد بنفسك رمي الشيطان ورمي الجمرات، تعال وشاهد ليالي المبيت في منى؛ فلعلّ هنالك مسائل أخرى، لم تكن لتعلم عنها شيئاً!
