العبودية التامة للإمام مقابل الله تعالى
3الوحيد الذي يمكنه أن يدّعي ذلك هو زينب الكبرى؛ فقد كان أسلوب كلامها عندما كانت في المدينة هو نفسه في يوم عاشوراء، وهو نفسه في مجلس يزيد وابن زياد؛ حيث كان لها شخصيتها وأبّهتها ومقامها المتميّز، لماذا؟ لأنَّها لم تكن تنظر إلى الكثرة، بل كان نظرها متمركزاً حول الوحدة، وباتجاه الأعلى؛ فمن يكون ابن زياد؟ وهل هو إلا كواحدة من الأنعام لكي تحسب له حساباً! وهل يكون يزيد سوى عجل حتّى تعيره اهتماماً! لم تكن تعبأ به [عندما خاطبته:] «أمِنَ العدلِ يا ابن الطلقاء تخديرُك حرائِرَك وإماءَك، وسوْقُك بناتُ رسول الله سبايا؟»۱قالت له بأنّك أنت ابن من أطلقنا سراحهم.. فمن يستطيع أن يتكلّم بهذا الكلام؟ الذي يستطيع ذلك هو من كان يمتلك نفساً كبيرةً وروحاً عظيمة، فزينبٌ مستغرقة في الملكوت ولا تنظر إلى الدنيا وكثراتها، ولا تعتبر هؤلاء من بني البشر أساساً، بل تراهم مجموعة من الأنعام، أو من السحالي والضفادع، قد أمسك كلّ منهم بسيف أو برمح، فهم يقفزون ويتراكضون هنا وهناك؛ فمن يكون أولئك؟ إنَّها تسخر منهم حقاً!
أمّا نحن، فما إن يمدحنا أو يتملّق إلينا أحد، إلاّ ويتبدّل أسلوبنا في الكلام ويتبدّل لحن صوتنا. لماذا يحصل ذلك؟ لأنَّنا لا نعتني بمن هو الأعلى ولا علاقة لنا به، نعم نحن نؤمن به اسماً فقط، ونقول بأنّ إلهاً ما موجود، غير أنَّنا لسنا مطمئنين من وجوده، غاية الأمر أنّنا وجدنا آبائنا يقولون ذلك، ونحن نكرّر قولهم فقط. من كان يعتقد بالله تعالى، فهل يتصرّف هكذا تصرّف، أو يتكلّم بهذا الكلام، أو يعمل هكذا عمل؟! من يكون معتقداً بوجود الله وبيوم الجزاء حقاً هل يفعل ذلك؟!
الأولياء دائماً نظرهم نحو الأعلى، لا ينظرون إلى الأسفل! فالكلام الذي صدر من الإمام الحسين ومن أبي الفضل عليهما السلام في المدينة هو نفسه الذي تكلّموا به مع عمر بن سعد في ليلة عاشوراء ويومها؛ فلم يتبدّل كلامهم أبداً، بل بقيت شخصيتهم ثابتة في مختلف الأزمنة والظروف.
اهتمام غير الأولياء بمقامهم الظاهري وغفلتهم عن الله
لننظر إلى أنفسنا ونرى هل نحن مثلهم؟ مثلاً رجل لا يكاد أحدٌ يردّ عليه السلام في الشارع، ولكن إذا اكتسب مكانة ما [يصير مصداقاً للآية:] ﴿وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾٢، انظروا إلى وصايا لقمان لابنه في هذه الآيات؛ ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً﴾٣. فما لك تمشي متكبّراً؟
- بحار الأنوار، ج ٤٥، ص ۱٣٤.
- سورة الإسراء (۱۷)، جزء من الآية ٣۷؛ سورة لقمان (٣۱)، جزء من الآية ۱۸.
- سورة الإسراء (۱۷)، جزء من الآية ٣۷.

