العبودية التامة للإمام مقابل الله تعالى
16خطر بذهني الآن مثال لطيف، وهو مثال مناسب. عندما يتم تخدير المرء، فسوف يفقد جميع حسّه وشعوره، بل ويفقد كلّ إدراك، إذ كيف يمكن له أن يشعر بشيء والحال هذه؟ هذا النوع من التخدير ليس هو المقصود من المثال الذي أريد ضربه، فحال الإنسان في مثل هذه الظروف لا يتفاوت مع حال الميت، بل سيكون عبارة عن جسد مُلقى على الأرض ليس له شعور أو إدراك لما يجري من حوله. غير أنَّ هناك نوعاً آخر من التخدير وهو التخدير الموضعي، كما يحصل عند تخدير اللثة مثلاً؛ ففي هذا النوع من التخدير يعلم المرء بأنَّه تحت تأثير التخدير غاية الأمر أنّه لا يحسّ بالألم، فعندما يلمس سنَّه بيده أو عندما يقوم الطبيب بالاشتغال بالسّن، فهو يعلم بكون هذا السنِّ له؛ وهو وإن كان تحت التخدير في هذه الحالة، غير أنَّه يشعر بأعضائه. وهذا النوع من التخدير ليس هو المشار إليه في هذا المثال أيضاً. إذ هنالك نوع آخر من التخدير يعلم فيه المريض بأنَّه تحت التخدير ويعلم بكون هذا العضو له، غير أنَّه لا يحس بكون هذا العضو هو جزء من جسده. فهذا النوع من التخدير هو المقصود من هذا المثال الذي أريد الإشارة إليه.
في مرضي الأخير الذي أجري لي فيه عملية جراحية لم يتم تخديري بشكل كامل، بل تم تخديري في منطقة الخصر فقط. عندما تم تخديري سألني الطبيب ــ حفظه الله ــ هل تشعر أيها السيِّد الطهراني بأنَّه قد تم تخدير رجلك؟ فقلت له: لقد فقدت الحس أساساً.. فكيف يمكنني أن أحسّ بوجود رجلي؟ واقعاً لم أكن أشعر بأيّ فرقٍ بين لمسي للسرير ولمسي لرجلي؛ فلقد كنت أشعر وكأنَّ وجودي يتمثّل في منطقة ما فوق الخصر فقط، وفي نفس الوقت الذي كنت أعلم بأنّ هذه الرجل لي، حيث كنت أراها، كنت لا أحسّ بوجودها من الناحية الأخرى. فكان التخدير بالشكل الذي لا يشعر فيه المرء بكون هذا الجزء له.
هكذا هي رؤية العرفاء للأمور. فهذا المثال مثال جيد لتقريب هذا المعنى؛ يعني أنّهم يعلمون بأنَّ الله هو الذي خلقهم، وهو الذي جاء بهم إلى هذه الدنيا، وعندما يقيمون الصلاة، فهم يعلمون بأنَّهم هم الذين يُصلّون الآن، غير أنَّهم ـ في نفس الوقت ـ لا يشعرون بوجود مستقلّ لهم لكي يقولوا: نحن الذين صلّينا! وإن كان ذلك بتوفيق منك، فأنت الذي منحت التوفيق والرعاية، لكن مع ذلك يقول: أنا لا أشعر بوجود مستقلّ لي لكي أشعر بأنَّني أنا المصلّي. فكيف يمكن أن يحصل مثل هذا الشيء؟ وأيّ نوع من الشعور هذا؟ فذلك هو شعور العارف والوليّ الإلهي.

