
كيفية تعامل الأولياء وغيرهم مع الأمور
اختلاف نظرة العرفاء وعلماء الظاهر إلى الأحكام الشرعيّة عدم قبول الصلاة إذا كان مشتغلاً فيها بغير الله للصوم درجات مختلفة قراءة القرآن والتأمّل بآياته لا الأنس بصوت القارئ قراءة الدعاء لمعرفة معانيه لا للانتهاء منه اختلاف تعامل أهل الظاهر والباطن مع أساتذتهم عدم اكتراث الأولياء بنسبة ما يفعلونه إليهم الأولياء لا يرون أن ما يقومون به هو منهم بل من الله تعالى الأولياء لم يعدّوا شيئاً للقاء الله تعالى سوى رحمته
كيفية تعامل الأولياء وغيرهم مع الأمور
5وكذا الأمر فيما يتعلّق بالصوم، فالصوم لا يعني الإمساك عن المفطرات فقط، بل يجب أن يكون وسيلة ومقدمة لتهيئة الأرضيّة كي يتوجّه الإنسان في مراتبه الثلاثة: الظاهر والباطن والسِّر، إلى تلك الحقيقة اللّا متناهية البحتة البسيطة، حتى يستطيع التخلّص من جميع التعلّقات الظاهرية، والتعلّقات الباطنية المتمثّلة بالفكر والخيال، وتعلّقات مقام السرّ المتمثلة بالميل والرغبة والاشتياق إلى ما سوى الله.
للصوم درجات مختلفة
لذا فإنَّ للصوم درجات مختلفة للناس باختلاف رتبهم؛ فصوم العظماء مثل المرحوم العلاّمة أو المرحوم الحدّاد أو المرحوم القاضي لم يكن صوماً عن شرب الخمر أو الماء أو الطعام فقط، فهذا مما لا يمكن الحديث عنه في هذا المجال؛ كما أنَّه لم يكن ـ في مقام أعلى بقليل ـ مقتصراً على اجتناب الغيبة والكذب وتوجيه التُهم للآخرين، فلا يمكن تصوّر صدور مثل هذه الأفعال عنهم، ولم يكن صيامهم بمعنى إبعاد سوء الظنّ عن أذهانهم وإن لم يجروه على ألسنتهم، فهذا الأمر هو الآخر غير متصوَّر بشأن أولياء الله. فعمّ يصومون إذاً؟ من الواضح أنّنا عندما نصوم ماذا يكون هدفنا من الصوم؛ فنحن نصوم لكي نعود إلى أنفسنا ونهتمّ بها، فنحن لا نرتكب ذلك الذنب الظاهري المتمثّل بشرب الخمر؛ نعم، نحن نشرب الماء ونأكل الطعام ونغمس رؤوسنا تحت الماء، كما أنَّه ليس من شأننا تسلّق جدران بيوت الناس أو شرب الخمر أو أكل المال الحرام أو ما شابه ذلك. فصومنا للذين هم في مرتبتنا هو من أجل السيطرة على الخواطر التي ترد على أذهاننا ومنعها من الورود، وحفظ ألسنتنا عن الخوض في كلام اللغو إذاً. فهذا من شأننا، ونحن نسعى لذلك في الرتبة التي نحن فيها؛ فنقوم بحفظ ألسنتنا عن التكلّم بغير ما يرضي الله، وأقدامنا عن السير في الطريق الذي لا يرتضيه الله، وأيدينا عن أن تنال ما لا يرضاه الله، وكذا الأمر بالنسبة إلى حفظ عيوننا وحواسّنا الأخرى. فهذه درجة أخرى من درجات الصوم.
أمّا فيما يتعلّق بتلك الدرجة الأعلى والتي هي مرتبة السّر، وهي مرتبة يشتدّ فيها تعلّق نفس الإنسان وروحه بالجانب الربوبي وبعالم التجرّد أكثر من تعلّقها بالجانب المادّي؛ فلا نستطيع نحن فعل شيء هناك، وهذا الأمر يتعلّق بالأولياء والعظماء فقط؛ فأيّ صوم يصومون وعن أيّ شيء يُمسكون، وهل يوجد بالأساس إمساك في ذلك الجوِّ، أم لا؟! فبالنسبة لصوم الإمام عليه السلام، فإمام الزمان على سبيل المثال يصوم أيضاً، إذ الصوم واجب حتّى على إمام الزمان، ولا فرق في ذلك بينه وبين غيره، فهل يصوم الإمام بالإمساك عن شرب الخمر أو السرقة أو أكل المال الحرام والعياذ بالله أو عن الأكل والشرب؟! لا معنى لهذه الأشياء من الأساس بالنسبة إلى الإمام! وهل يتمثّل صيامه بحفظ لسانه وكفّ بصره؟! أيضاً لا مكان لهذا الكلام في مقامه، فأيّ صوم يصومه الإمام إذاً؟ إذ نحن نعلم بأنَّه يصوم.
