
عمق التوحيد في كلام الإمام السجّاد عليه السلام
هل الهداية من الله تعالى أم أنّ الإنسان يُوفّق إليها بنفسه؟ لماذا ينبغي على السالك ألاّ يحسب لنفسه أيّ حساب؟ ما هو خطر التعلّقات على سير الإنسان وسلوكه؟ كيف يكون منهج العارف سهلاً في السير والسلوك؟ كيف يُعلّمنا الإمام السجّاد عليه السلام عمق التوحيد؟ هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى للإجابة عنها في هذه المحاضرة، علاوةً على تطرّقه في ضمن ذلك لتساؤلات وأبحاث أخرى
عمق التوحيد في كلام الإمام السجّاد عليه السلام
6هناك عبارة للإمام السجّاد عليه السلام يقول فيها: إلهي بمقدار ما تقرّبني منك وترفعني إليك وتعلي شأني، فذلّلني في نفسي بهذا المقدار.۱ وواقعًا، من حقّ هذه العبارة أن تكتب وتعلّق أمام ناظرينا دائمًا.. ومع وجود مثل هذه العبارة، لا داعي للنصيحة بعد ذلك، يعني: تكفي الإنسان عبارة الإمام السجّاد هذه لكي يضع قدمه في الطريق ويمضي، بخلاف أن يقول المرء: لقد ساواني السيّد بالآخرين! فما هذا الكلام؟! وما هذه المسائل؟!
إنّ الشخص الذكيّ هو الذي يفعل الأمور التي تريح وليّ الله وتجعل أموره أسهل وأبسط. [وأنا لا أتحدّث عن نفسي]، فنحن لسنا شيئًا، بل إنّ كلامنا يرتبط بالعظماء والأساتذة وكلماتهم، وناظرٌ لما كُتب في الروح المجرّد والذي ينبغي أن يُقرأ كلّ سطر منه بدقّة.
في الزمان السابق، عندما كنّا في مشهد، كانت تُعقد العديد من الجلسات هنا وهناك، وكانت تُعقد في شهر رمضان جلسة في كلّ ليلة، فكان العلاّمة يشارك فيها، ويتحدث فيها أحيانًا، بل في أغلب الأوقات كان يتحدّث فيها، حيث كانت تشتمل على قراءة القرآن ودعاء الافتتاح و...، وأذكر أنّه في يوم من الأيّام، كان الوقت شتاء، وكانت منازل بعض الأشخاص بعيدة، فجرى الكلام عن أنّه إذا أريد إقامة الجلسة في هذا المنزل، فإنّه بعيد جدًّا، والجلسة تُقام في ليلة شتويّة، والمرحوم العلاّمة يريد أن يحضرها و... وكنت أجلس جانبًا، وأكتفي بالاستماع إلى الكلام الدائر بين الأصدقاء والإخوة، وإلى ماذا سيصير الأمر، فقال ذاك الشخص الذي كان من المفترض أن تكون الجلسة في منزله وكان منزله بعيدًا خارج المدينة: ينبغي عليّ أن آتي يوميًّا لحضور هذه الجلسة، لكن عندما تصل النوبة إلى منزلي، يُقال لي: منزلك بعيد وموجب للمشقّة! أنا لم أقل شيئًا حينها، بل كنت مطرقًا رأسي فقط، لكن قلت في نفسي: عجبًا! لماذا لم ندرك المطلب بعد؟! يا عزيزي، ليس الكلام في أنّه: لماذا لا يأتي الآخرون إلى منزلي، بل الكلام هو أنّ هذا الرجل العظيم إذا أراد أن يذهب إلى هناك، فطبعًا قد تحصل مشاكل، حيث كان هناك جليد وبرد قارس في الليل، فالكلام ليس عن حضور الآخرين، فلو كان منزلك في نيشابور أو سرخس، لذهبنا إليه، لكنّ الكلام بالنسبة إلى هذا الشخص وهذا الرجل العظيم!
- إشارة إلى هذه الفقرة من دعاء مكارم الأخلاق: «ولا تَرْفَعْنِي فِي النَّاسِ دَرَجَةً إِلاّ حطَطْتَنِي عِنْدَ نَفْسِي مِثْلَها وَلا تُحْدِثْ لِي عِزًّا ظاهِرًا إِلاّ أَحْدَثْتَ لِي ذِلَّةً باطِنَةً عِنْدَ نَفْسِي بِقَدَرِها». (الصحيفة السجاديّة، ص ٩٢)
