
عمق التوحيد في كلام الإمام السجّاد عليه السلام
هل الهداية من الله تعالى أم أنّ الإنسان يُوفّق إليها بنفسه؟ لماذا ينبغي على السالك ألاّ يحسب لنفسه أيّ حساب؟ ما هو خطر التعلّقات على سير الإنسان وسلوكه؟ كيف يكون منهج العارف سهلاً في السير والسلوك؟ كيف يُعلّمنا الإمام السجّاد عليه السلام عمق التوحيد؟ هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى للإجابة عنها في هذه المحاضرة، علاوةً على تطرّقه في ضمن ذلك لتساؤلات وأبحاث أخرى
عمق التوحيد في كلام الإمام السجّاد عليه السلام
14والعجيب أنّ الإمام السجّاد عليه السلام حينما يقول: «يا ربّ إنّني لست حتّى حبّة صغيرة، ولست حتّى قطرة»، فإنّه يقول هذا الكلام مع أنّ عالم الوجود بأجمعه خاضع لإرادته عليه السلام ومتحرّكٌ بأمره! فكيف يمكن لنا أن نفهم هذه القضيّة؟! على الإنسان أن يجلس ويفكّر في هذه القضية ويتأمّل فيها، ثمّ يجلس بعد ذلك ويقيس ذلك على حاله هو.
فقائل هذه العبارات ليس إنسانًا عاديًا حتّى نقول: إنّه يلقي الكلام على عواهنه ولا يدري ما يقول، بل المتكلّم هو الإمام السجّاد عليه السلام، يعني حبل الله بين الله وخلقه، والعروة الوثقى، والواسطة والوسيلة، والذي يمثّل حقيقة الولاية التي توجد جميع عوالم الوجود وتديرها وتدبّرها وتحرّكها وتتوسّط في نزول الفيض الإلهيّ إليها! مثل هذا الشخص يقول مثل هذا الكلام؛ فإن كان هو يقول ذلك، فعلينا أن نأتي ونقيس ذلك ونطبّقه على أنفسنا؛ فمن نحن؟ وماذا نمثّل؟ فهذا صاحب الولاية، وبيده كلّ شيء في العالم، والعالم متعلّق بأنفاسه الطاهرة، وحياة جميع ذرّات العالم وبقاؤها وحركتها وسكونها ووجودها وماهيّتها.. كلّ ذلك معتمد عليه ومستمدّ منه، وهو يأتي أمام الله تعالى ليقول: يا ربّ أنا لا شيء.. لست حتّى ذرّة! فهو يعلّمنا بذلك أن: ما وضعك أنت؟ وما هو محلّك من الإعراب؟! فمع أنّني أنا هو صاحب الولاية، وأنا الإمام، وأنا الذي تقوم السماء والأرض بوجودي، أقول هذا الكلام، وأقوله صادقًا، وأعتقد به، بينما أنت الذي لا تمثّل شيئًا ذا خطر تأتي وتثير زوبعة في هذا العالم، فتأخذ هذا وتضرب ذاك، وتحبس الثالث، ثمّ ترفع صوتك بالأمر والنهي؛ فما الخبر يا عزيزي؟! تعال وانزل قليلاً لنمشي سويًّا في هذا الطريق.
عند ذلك، يأتي الإنسان ويطابق هذه العبارة مع نفسه، ويجعل نفسه متوافقة معها، ويزن نفسه بها، ويطبّقها على نفسه، ويقارن حاله مع هذا الكلام الصادر من الإمام السجّاد عليه السلام ويسأل نفسه: ما هو محلّي من هذه القضيّة؟ فهذا إمام، ولا شكّ في إمامته، وهو صاحب الولاية الكليّة، والعالم بأجمعه يتحرّك بإرادته، وجميع العوالم ممّا سوى الله ـ من أعلاها إلى أدناها ـ كلّها تسير بأمره وبإرادته، ومع ذلك فهو يقول: يا ربّ أنا لا شيء! إنّه يعلّمنا التوحيد، ويريد أن يفهّمنا أنّ الإنسان الموحّد هو هذا؛ فمع أنّ الله تعالى قد طوى في وجوده كلّ هذه الآثار والظهورات والآيات والقدرات والعلوم وجميع الحركات والسكنات، إلاّ أنّه يظلّ لا شيء، والله تعالى هو الذي جعل له كلّ ذلك؛ أي أنّ كلّ شيء يرجع إلى الله تعالى: فالولاية في الحقيقة لله، وآثاره في الحقيقة آثار الله، وظهور ولايته تعني ظهور الله. فإيّاك أن تظنّ أنّ قلع باب خيبر كان من عليّ عليه السلام! وإيّاك أن ترى أنّ ردّ الشمس من عليّ! وإيّاك أن تحسب أنّ شقّ القمر إلى نصفين كان من قِبَل النبيّ صلّى الله عليه وآله! ولا تظنّ أن قدرته على تغيير العالم أجمع يرجع إلى إرادته هو! إنّ هذه جميعًا ترجع إلى إرادة الله، إلاّ أنّ ظهورها وبروزها من خلال هذا الشخص؛ فهو مجرّد واسطة ومرآة. فلو أنّكم وضعتم ساترًا أمام الشمس، فإنّ المرآة ستصير مظلمة.. أليس كذلك؟ ولو كانت هناك مرآة موضوعة في مقابل الشمس، فإنّ الشمس سوف تسطع بنورها عليها فتعكسه المرآة وتنير ما حولها، فيحسب الناظر أنّ المرآة هي مصدر النور ويقول: يا للعجب، انظر كيف أنارت هذه المرآة كلّ شيء حولها! ولكنّ كشف الحقيقة سهلٌ؛ إذ يكفي أن تأتي بقطعة من القماش وتضعها بين الشمس والمرآة بحيث تحجب نور الشمس عن المرآة، فإذا بالمرآة قد صارت مظلمة، كما أضحت الغرفة مظلمة أيضًا؛ وهكذا أضحى كلّ شيء مظلمًا وانتهى الأمر! لكن ما إن ترفع الحجاب فجأةً بين الشمس والمرآة حتّى يعمّ النور كلّ مكان!
