
عمق التوحيد في كلام الإمام السجّاد عليه السلام
هل الهداية من الله تعالى أم أنّ الإنسان يُوفّق إليها بنفسه؟ لماذا ينبغي على السالك ألاّ يحسب لنفسه أيّ حساب؟ ما هو خطر التعلّقات على سير الإنسان وسلوكه؟ كيف يكون منهج العارف سهلاً في السير والسلوك؟ كيف يُعلّمنا الإمام السجّاد عليه السلام عمق التوحيد؟ هي أسئلة سعى سماحة السيّد قدس سره تعالى للإجابة عنها في هذه المحاضرة، علاوةً على تطرّقه في ضمن ذلك لتساؤلات وأبحاث أخرى
عمق التوحيد في كلام الإمام السجّاد عليه السلام
12وفي الأخير، سيُصبح ذلك مماثلاً لما يقوم به سائر الناس: «إذا لم ينجح هذا، سنقوم بذاك، وإذا لم ينجح ذاك، سنقوم بالآخر و...»؛ فلا حساب هناك، ولا ميزان هناك، ولا تُنجز الأعمال وفقًا للعقل والدراية، بل تُؤدّى على أساس الشعارات والأهواء والسمعة؛ مع أنّ الإنسان ينبغي عليه أن يتقصّى الأمور، ويرى هل المسألة صحيحة وموافقة للحقّ ليتّبعها، فلا يهمّه من يقولها؛ لأنّه قد يكون قالها اعتمادًا على مبادئه وأفكاره الشخصيّة، ونحن غير مكلّفين بقبول الكلام من أيٍّ كان؛ فنحن لنا عقول أيضًا، ولنا فكر، ونتوفّر على نفس المصادر التي يتوفّر عليها الآخرون؛ فما هو الفرق بيننا إذن؟!
وعلاوة على ذلك، فإنّ الوحي والنبوّة قد خُتما برسول الله، فلا يوجد شيء بعده، كما أنّ الإمامة خُتمت بإمام الزمان عليه السلام، وهو أمر معلوم؛ وحينئذٍ، بأيّ شيء يفترق بقيّة الناس عن بعضهم البعض؟! وما معنى أن نُنحّي عقولنا وفهمنا واستنباطنا جانبًا؟! معناه أن نُخرج أنفسنا عن دائرة الإنسانيّة والبشريّة، ونضعها في دائرة الدوابّ! فالدابّة ذات الأربعة قوائم هي التي يضربها الراعي بالعصا، ويصرخ في وجهها ليخيفها، فتذهب يمينًا ويسارًا، وأمّا الإنسان، فله رجلان لا أربعة قوائم، وعليه أن يعمل وفقًا لتلك الواقعيّة التي وضعه الله تعالى فيها.
سهولة منهج العارف في السلوك إلى اللـه
حسنًا، يقول الإمام عليه السلام: إذا كان الأمر كذلك، «هبني بفضلك»؛ أي: يا إلهي، اعف عنّي بفضلك، وامنحني من فضلك؛ فنحن لا شيء، كما أنّه لن ينقص منك شيء؛ فلو أنّك عاقبتنا، سنكون تحت مُلكك ومملكتك، ولو تفضّلت علينا ورحمتنا، سنظلّ أيضًا تحت مُلكك ومملكتك؛ فلماذا لا تمنحنا من فضلك إذن؟! أفليس العقوبة والتفضّل كلاهما منك؟ أوليس الجلال والجمال كلاهما من صفاتك؟ وهما ظهوران لوجودك؟ فلا يصحّ أن نقول بأنّ ما يصدر منك هو الجمال فقط، وأمّا الجلال فهو خارج عن حيطة وجودك؛ لأنّه لا يُمكن تصوّر وجود غير وجودك، وليس هناك من وجود غير وجودك البحت والبسيط حتّى يكون هو المسؤول عن هذا النوع من الإفاضة وتنزّل الصفة، فلا تكون لهذه الإفاضة أيّة علاقة بك.. كلاّ، فجميع الأشياء تتحقّق بيديك! فمن باب المثال، هذه هي يدي، وأنا أستطيع بهذه اليد أن أصفع يتيمًا، كما يُمكنني أيضًا أن أمسح بها على رأسه؛ فهي يد واحدة، لا أنّ اليد التي أصفع بها غير اليد التي أمسح بها.. انظروا، فبهذه اليد، أستطيع أن ألاطف يتيمًا وأمسح على رأسه، وأحنّ على طفل وأُفرحه، كما يُمكنني بواسطتها أيضًا أن أضرب به الحائط وأُحزنه وأسبّب له الأذى وأبكيه؛ فكلتا المسألتين نابعتان من أصل واحد، غاية الأمر أنّ ذلك يرجع للإرادة التي تعلّقت بها كلّ واحدة منهما: إرادة الجلال أم إرادة الجمال، إرادة العقوبة أم إرادة اللطف والعناية. فإذا كان الأمر بهذا النحو، فإنّ الإمام السجّاد يقول: إلهي، إذا كانت هذه اليد يدك، ولا يفرق الأمر لديك [سواءً عاقبت بها أم تلطّفت]، فلماذا لا تتلطّف بها عليّ؟! والله تعالى تُعجبه مثل هذه الاستدلالات، ويقول: إنّ عبدي هذا يقول حقًّا، كما أنّه من ناحية أخرى قد اعترف بأنّه لا يُساوي أيّ شيء!!! فنحن لسنا بشيء حتّى تأتي وتُعاقبنا وتقول للملائكة: لقد عاقبت فلانًا! ونحن نقول منذ البداية: لسنا بشيء!
